الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٢٦٨ - البيئة العربية
كان هذا هو السبب في إنزال قصص سورة هود. و كان أسلوب القرآن في التثبيت هو الأسلوب الفني الذي يعمد إلى الإيحاء و الإفاضة و ليس ذلك إلا بعرض صور فنية تشبه هذا الموقف الذي يقفه نبي الإسلام عليه السلام. و كان أن اختار اللّه ما يحدث للرسل ليريه كيف مضت الأمور و كيف وقف هؤلاء الرسل مواقفهم التي تذكر لهم مع شدة حرصهم على هداية قومهم و شدة أسفهم على أن يقف منهم قومهم هذه المواقف.
و أظنك الآن قد فطنت إلى السبب الذي من أجله كانت العبارات هنا من العبارات التي تدل على قوة الصلة بين لوط و قومه فكانت العبارات جََاءَهُ قَوْمُهُ قََالَ يََا قَوْمِ هََؤُلاََءِ بَنََاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ... أَ لَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ .
إن هذه العبارات هي التي تحمل من المعاني الثانية ما يتلاءم و حالة النبي عليه السلام و قصد القرآن.
إن هذا الصنيع مؤلم لا سيما من قومه. و إن أَطْهَرُ لَكُمْ تدل على حرص لوط على إبعاد قومه عن الضلال بترغيبهم في بناته و ترغيبهم عن ضيفه و إن أَ لَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ لتدل على متانة هذه الصلة و على الحسرة و الأسف أن يكون من قومه هذا الذي يحدث له و لضيفه. و لم يكن شيء من ذلك في قصة الحجر لأن قصص هذه السورة نزلت لتشفي قلب النبي عليه السلام بقص القصص التي تطلعه على ألوان العذاب التي تنزل بالمكذبين من أقوام الرسل عليهم السلام. و من هنا قال وَ جََاءَ أَهْلُ اَلْمَدِينَةِ فكأن الأمر لا يعنيه و كأنه لن يحزن أو يأسف على ما ينزل بهم من عذاب. و كان هََؤُلاََءِ بَنََاتِي إِنْ كُنْتُمْ فََاعِلِينَ فكأنه قد ضاق بهم إلى الحد الذي يجعله غير مهتم بهم من حيث الترغيب و التنفير و لم يكن في القصة يََا قَوْمِ من أجل هذا كما لم يكن ذلك الاستفهام المؤلم أَ لَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ .
إن هذه الألفاظ التي تدل على العطف و الحنان و التي تدل على حرصه على هداية قومه لم ترد في القصة الثانية لأنها قصة العذاب.
و هكذا ترى أن المعاني الأدبية و الفنية هي مقصود القرآن من القصص و هي الأمور التي يبحث عنها و هي الأمور التي تجعل الحادثة الواحدة تصوّر بصور مختلفة و يعبّر عنها بعبارات متفاوتة حسب الظروف و المناسبات. غ