الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٨١ - الأدب و التاريخ
(١) إهمال القرآن حين يقص لمقوّمات التاريخ من زمان و مكان فليس في القرآن الكريم قصة واحدة عني فيها بالزمان. أما المكان فقد أهمل إهمالا يكاد يكون تاما لو لا تلك الأمكنة القليلة المبعثرة هنا و هناك و التي لم يلفت القرآن الذهن إليها عرضا.
على أن القرآن عمد إلى إهمال الأشخاص في بعض أقاصيصه إهمالا تاما. و هذه من المسائل التي سنعرض لها في الباب الثاني إن شاء اللّه.
(٢) اختياره لبعض الأحداث دون بعض فلم يعن القرآن بتصوير الأحداث الدائرة حول شخص أو الحاصلة في أمة تصويرا تاما كاملا و إنما كان يكتفي باختيار ما يساعده على الوصول إلى أغراضه أي ما يلفت الذهن إلى مكان العظة و موطن الهداية و لعله من أجل ذلك كان القرآن يجمع في الموطن الواحد كثيرا من الأقاصيص التي تنتهي بالقارئ إلى غاية واحدة. و تلك أيضا من المسائل التي ستشرح في الباب الثاني.
(٣) كان لا يهتم بالترتيب الزمني أو الطبيعي في إيراد الأحداث و تصويرها و إنما كان يخالف في هذا الترتيب و يتجاوزه الأمر الذي أكثر من الإشارة إليه صاحب المنار» [١] و الذي نستطيع أن نجعل منه أيضا قصة لوط فقد قال تعالى في سورة الحجر فَلَمََّا جََاءَ آلَ لُوطٍ اَلْمُرْسَلُونَ*`قََالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ*`قََالُوا بَلْ جِئْنََاكَ بِمََا كََانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ*`وَ أَتَيْنََاكَ بِالْحَقِّ وَ إِنََّا لَصََادِقُونَ*`فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اَللَّيْلِ وَ اِتَّبِعْ أَدْبََارَهُمْ وَ لاََ يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَ اُمْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ*`وَ قَضَيْنََا إِلَيْهِ ذََلِكَ اَلْأَمْرَ أَنَّ دََابِرَ هََؤُلاََءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ*`وَ جََاءَ أَهْلُ اَلْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ*`قََالَ إِنَّ هََؤُلاََءِ ضَيْفِي فَلاََ تَفْضَحُونِ*`وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ وَ لاََ تُخْزُونِ* `قََالُوا أَ وَ لَمْ نَنْهَكَ عَنِ اَلْعََالَمِينَ*`قََالَ هََؤُلاََءِ بَنََاتِي إِنْ كُنْتُمْ فََاعِلِينَ*`لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ*`فَأَخَذَتْهُمُ اَلصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ [٢] ، فإن هذه القصة لو لوحظت مع إحدى قصص لوط في القرآن كقصته في سورة هود مثلا لوجدنا القصة في سورة هود تجري على هذه الطريقة. مجيء الملائكة ثم حاله و اضطرابه النفسي، ثم مجيء القوم ثم موقفه و عرض بناته حتى لا يخزى، ثم ردّهم عليه و عزمهم على إتمام قصدهم، ثم موقف الملائكة
[١] المنار، جـ ١، ص ٣٤٦ و جـ ٨، ص ٥٠٢.
[٢] سورة الحجر، الآيات ٦١-٧٣.