الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٢٩٩ - ٣-الرجال
شخصية كل رسول، و إنها شخصية النبي العربي محمد بن عبد اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم.
و على هذا الأساس نستطيع أن نميّز صور موسى و إبراهيم و عيسى من أحداثهم، و موقفهم من أقوامهم، أو من أرسلوا إليهم في سهولة و يسر. و نستطيع أن نميّز شخصية نوح و صالح و لوط أحيانا، و لا نستطيع أن نميّزها أحيانا أخرى. و الواقع أنه لو لا بعض الأحداث المميّزة، كالطوفان و الناقة و العجوز، لأصبحت صور هؤلاء مبهمة غامضة.
أما صور هود و شعيب مثلا، و محاورتهم الأقوام فهي الصورة العامة التي تصلح لكل رسول كما قلنا، و هي التي تصلح للنبي العربي عليه السلام.
و يجب ألا ننسى في هذا المقام ما سبق أن ذكرناه عن حرية الفنان في حديثنا عن الصلة بين الأدب و التاريخ، إذ قلنا هناك إن هذه الحرية تتسع كلما أوغلنا في القدم، أو اخترنا من الشخصيات ما كان مجهولا، إذ عند ذلك لا تتعارض الصور الذهنية مع الصور الفنية، فيكون الإيحاء أقوى، و التأثير أشد، و هذا هو الذي نلاحظه بالضبط في تصوير القرآن لشخصيات الرسل و الأنبياء فقد كان يعطي لنفسه الحرية التامة حين تكون المعلومات العامة عن الشخصية معدومة أو في حكمها، فيتحدّث عن الأمور التي يقصد إليها في الدعوة الإسلامية. و من هنا كان يتجاوز الأسماء و الصفات الحسية و يجنح إلى الإجمال و الإبهام ليؤثّر الأثر المطلوب.
فإذا كانت تصرّفات الأشخاص حيال الأحداث التي تلم بهم تدلّنا على عقليتهم و مزاجهم، كان من المتوقّع أن نرى فروقا بين هذه الشخصيات على هذا الأساس و هذا هو الذي حدث عند القدماء، فنلحظ أنهم يقولون عن شعيب و موقفه من قومه في تفسيرهم لسورة هود إنه خطيب الأنبياء، و نلحظ شيئا مثل هذا من حديثهم في أسباب النزول لآية مََا كََانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرىََ حَتََّى يُثْخِنَ فِي اَلْأَرْضِ [١] عن نوح و إبراهيم و موسى و عيسى حين يقولون: أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسين الحيري قال أخبرنا حاجب بن أحمد قال حدّثنا أبو معاوية عن الأعشى عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن عبد اللّه قال: لما كان يوم بدر و جيء بالأسرى قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: ما تقولون في هؤلاء الأسرى؟فقال
[١] سورة الأنفال، الآية ٦٧.