الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٤٠٤ - الفن في القصة القرآنية
بالسرى و أن العذاب نازل بالقوم صبحا في سورة هود يشعر بأن الزمن هو المحور الذي ربط الوقائع و كذا المحاورة مع القوم تدل على عدم معرفته بالذين قدموا و أنهم رسل ربه و كذلك الضيق الذي انتابه خوفا على ضيوفه. و لذا ينتهي المؤلّف إلى أن السبب في قصص سورة هود إنما هو لتثبيت فؤاده أما القصد من القصة ذاتها في الحجر فهو بيان ما ينزل بالمكذّبين و هذا يتّضح من حرص القرآن على إعلان الملائكة عن نفسها و إخبار لوط بالعذاب الذي سينزل على قومه و يذهب خلف اللّه إلى أن ذلك كان ملائما لحال النبي محمد عليه السلام و قد استقى ذلك مما ورد في ختام السورة و أن ترتيب أحداثها ينبني على أساس غايته تحريك العاطفة و هز العقول و الأفهام و بالتعبير المعاصر: منطق العاطفة و الوجدان.
و يؤكّد المؤلّف أن إختلاف أسلوب القرآن في بناء القصص و الذي اتضح في المثلين اللذين ضربهما من سورتي الحجر و هود أشكل على القدماء و من ثم قالوا أن هذه الحادثة في موطن غير التي وردت في موطن آخر و دلّل على مذهب القدماء بما أورده النيسابوري.
و يعقب على ذلك بقوله أن مقاصد القرآن هي التي تملي عليه الأسلوب و الطريقة و تسلسل الأحداث و الربط بينها و بين العاطفة و الوجدان.
و هنا يتعيّن علينا أن نسجّل هذا الكشف الفني الذي توصّل إليه خلف اللّه...
و الذي يضاف إلى رصيده في الدفاع عن القرآن و تجلية ما فيه و رفع ما تبادر إلى أذهان المفسّرين القدامى من وجود إشكاليات فيه. و قد دفعت الأمانة العلمية المؤلّف إلى أن يقرر أن الأستاذ الإمام محمد عبده قد سبق إلى كشف قاعدة القرآن في ترتيب الأحداث و ضرب مثلا بما جاء في تفسير المنار و ينتهي إلى أن الأستاذ الإمام يرى أن ترتيب الأحداث يرجع إلى اعتبار بلاغي خاص من أجله يقوم العرض على أساس عاطفي يخالف الأساس الذي يقوم عليه ترتيب الأحداث عند المؤرّخين.
و واضح أن الأستاذ الإمام قد اهتدى إلى جزئية خاصة مما اكتشفه خلف اللّه و لا يفهم من هذا غض من قيمته أو تهوين من شأنه أو تقصير من قامته لحساب خلف اللّه فهذا ما لا يقول به عاقل. و ينهى المؤلّف هذه الفقرة أو هذا المثل بأن أحداث التاريخ التي وردت في القصص القرآني رتّبت ترتيبا عاطفيا قصد تحريك الهمم و النفوس و بعبارة أوضح هي لون من القصص التاريخي الفني و ترتيبا على ذلك فإنها توزن بميزان الفن القولي لا بموازين المؤرّخين.