الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٢٢٧ - المقاصد و الأغراض
و تلك هي عمليات الإفاضة و الإيحاء التي يقول بها المحدثون من النفسيين و التي تحدثوا عنها حين تحدثوا عن عمل العقل في الفن و عن الوحي العاطفي و الوحي الذي يوحيه الفن. و نستطيع أن ننقل هنا تعريب عبارتين لواحد من هؤلاء لنفهم المسألة الفهم الواضح و لنستعين بها على فهم كل ما نصوّر في هذا الباب من قيم فنية.
يقول وردز وورث في كتابه «الحياة العقلية» بصدد حديثه عن الوحي الفني العاطفي ما يلي «إنك إذا مررت صدفة بالقطعة الفنية النفيسة أثناء اجتيازك متحف الفنون الجميلة قد تحرّك عواطفك بل ربما أثارت دموعك. و كذلك يقال عن القطعة الموسيقية الجيدة التي ليس من الضروري أن تكون محزنة» .
أما لما ذا تثار هذه العاطفة الخاصة فأمر لم يتقرّر بعد. و هو أمر لا نستطيع تحليله غير أن وحي الفن للعاطفة في غير هذه الأحوال قابل للتحليل. فإن الشيء المحزن يوحي لباعث الحزن مباشرة و المضحك لباعث الضحك و المؤسف للخوف و الهرب. كما أن الدافع الجنسي يستثمر في الرسم و النحت في أحيان كثيرة كما يستثمر في الآداب [١] .
كما يقول بصدد الوحي الفني الفكري ما يلي «إن الفن قد يرضينا لأنه يوحي إلينا وحيا فكريا كما يتضح عند ما نتذكّر أن كثيرا من الأعمال الفنية العظيمة تحتاج إلى جهود فكرية لكي نفهمها و نرتاح إليها فيجب أن تكون منتبها كل الانتباه لتتمكن من متابعة رواية من روايات شكسبير كما أنك تحتاج إلى إيجاد مغزى لصورة زيتية قبل أن تتمكن من التلذّذ بها جيدا.
و قد لا نفتكر عادة عند ما نرى صورة فنية جميلة أو نسمع قطعة موسيقية بديعة أنها مسألة طرحت أمامنا للحل و الحقيقة أنها كذلك. و يرجع تأثير القطعة الفنية الفكري إلى أنها مسألة تحتاج إلى حل و لا يخفى أن إدراكنا مغزى قطعة فنية يحتاج إلى جهود و انتباه و إذا كانت المسألة المطروحة أمامنا صعبة جدا كان العمل الفني جافا و إذ كانت سهلة كان تافها» [٢] .
[١] الحياة العقلية، ص ٦٢.
[٢] المصدر السابق، ص ٦٢٣.
غ