الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٢٦٠ - البيئة العربية
يبحثون عن كل ذلك و من هنا لا يرون الأدب أدبا و لا الفن فنا إلا بما فيهما من صور صادقة التعبير قوية التأثير و لعل هذا أو قريبا منه هو الذي أراده ابن الأثير حين قال:
و بعد هذا فاعلم أن الألفاظ تجري من السمع مجرى الأشخاص من البصر فالألفاظ الجزلة تتخيل في السمع كأشخاص عليها مهابة و وقار و الألفاظ الرقيقة تتخيل كأشخاص ذوي دماثة و لين و أخلاق و لطافة مزاج [١] .
يبحثون إذا في الأدب و الفن عن سر الإعجاز و يرون هذا السر في غير المعاني الأولى يرونه في المعاني الثانية أو فيما تحمل هذه المعاني من عواطف و تستثير من انفعالات.
و المسألة الآن فيما يخص المواد الأدبية في القصص القرآني هي هذه.
أقصد القرآن من عرضه لهذه المواد، أحداثا و أشخاصا، الدلالة الأولى أي فائدة الخبر كما يقول البلاغيون و هي معرفة هذه الأحداث و الأشخاص كما يقصد اللغوي معرفة مدلولات الألفاظ الأولى؟أم قصد شيئا آخر وراء ذلك و بعده هو المعاني الثانية، هو تلك الآثار الأدبية في النفس عند عرض هذه الأحداث و الأشخاص عليها عرضا أدبيا فنيا لتثير الانفعال و توحي بالعبرة و العظة؟
إن دراستنا لما سبق من قيم تاريخية و من ألوان قصصية و من مقاصد و أغراض تدل على أن القرآن لا يقصد بقصصه إلى المعاني الأولى و لا يريد تعليم الناس التاريخ أو شيئا عن الأحداث و إنما يقصد إلى المعاني الثانية و هي المعاني الأدبية أو البلاغية و هي الاستثارات العاطفية و الصور الفنية الأدبية و غيرها مما يعده أصحاب الفنون و الآداب ملاك الأدب و غاية البلاغة.
و إذا كانت هذه العواطف و الانفعالات التي تستثيرها المواد الأدبية في القصص القرآني و هذه الأحاسيس التي تصوّرها هذه المواد تختلف في موطن عنها في آخر كان معنى ذلك أن القرآن يصنع في هذه المواد ما يصنعه الأدب و الفن دائما بالألفاظ و أنه يستخرج من هذه المواد الأدبية القصصية معاني أدبية تشبه استخراجه المعاني المجازية من
[١] المثل السائر، ص ٦٩.