الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٤٣٩ - المقاصد و الأغراض
و منها عبادة غير اللّه فقد كثر استثارة الانفعالات ضدها و التنفير منها و كان إبراهيم بطل القصص في هذا المضمار و بعضها بشأن عبادة النجوم و الآخر حول عبادة الأوثان و لجأ إبراهيم للوصول إلى مبتغاه بتشكيك القوم في آلهتهم بأن يصوّرها عاجزة عن النفع أو الضرر و أنهم يعبدون ما ينحتون فكيف يقدّسون ما صنعت أيديهم و أبلغ مثل على تصوير ذلك القصة التي حملتها سورة الشعراء. فهي صوّرت موقف إبراهيم من أبيه و قومه و الحوار البليغ الذي دار بين الطرفين و يلاحظ المؤلّف أن إبراهيم اتّجه إلى حاستين ضروريتين لدى المخلوقات للاستجابة هما السمع و البصر حتى يعجز المخاطبين (بفتح الطاء) عن المجادلة و لا يجدوا مفرا من الاعتراف بأنهم عبدوها تقليدا لآبائهم و هنا تثور نفس النبي و يعلن العداوة إلا للذي خلقه فهو الذي يطعمه و يسقيه و عند مرضه يشفيه و يميته و يحييه و الذي يطمع أن يغفر خطيئته يوم الدين. بعدها يناجي ربه بدعوات صالحات ثم ينتهي بتصوير مشهد في الآخرة يذيب القلوب و يبعث النفور من عبادة الأوثان، مشهد يصوّر خصام الأصنام و عبدتها ثم تأتي الفقرة التقليدية التي يختم بها القرآن قصصه و هي أن في ذلك لآية و إن ربك لهو العزيز الرحيم.
أما الغرض الثالث الذي تقوم به القصة فهو عمليتا الإفاضة و الإيحاء و يفسّرهما خلف اللّه بتكوين عواطف قوية مع أو ضد القيم الخلقية و الدينية و الاجتماعية الموجودة في البيئة أو المراد فرضها عليها و تقوم أيضا بعملية أخرى لا تقل عنها أثرا في حياة الإسلام و المسلمين هي: بث الثقة و الطمأنينة أو بذر الخوف و القلق و الاضطراب النفسي.
هي (القصة القرآنية) تفعل ذلك بعرض صور من الحياة الدينية التي انتصر فيها الدعاة و تبعهم و في المقابل نزل الهلاك بالقادة المعارضين و جنودهم و لعل أبرزها قصص سور: الأعراف و الشعراء و القمر.
أما الأسلوب الذي اتّبعه القرآن في ذلك فهو اختيار عناصر معروفة و متداولة من أخبار الأمم السوابق و مزجها و إخراجها في الثوب الذي يؤدي الأثر المطلوب من إشاعة القلق و الاضطراب في قلوب الكفرة و المشركين ورد الثقة و الطمأنينة لنفوس المؤمنين. ثم أورد الباحث بعضا من قصص سورتي القمر و الحاقّة لتأكيد رأيه. فعباراتها تحفل بالعذاب