الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٣٦١ - الخاتمة
مسائل التاريخ، و ليس ذلك إلا لأنه يريد الهداية و الإرشاد، و يقصد إلى العظة و العبرة، و لا يقصد إلى تعليم التاريخ أو نشر وثائقه بحال من الأحوال.
و المذهب الذي جرى عليه القرآن الكريم مذهب أدبي مقرّر، تعرفه جميع اللغات و يجري عليه العمل عند جميع الأدباء، ثم هو مذهب التفت إليه كثير من المفسّرين، فقال به بعض القدماء ممّن روى الطبري أقوالهم عند تفسيره لقصة أصحاب الكهف، و قال به الأستاذ الإمام عند حديثه عن قصة هاروت و ماروت، و قال به علماء البلاغة من المسلمين حين اكتفوا باللزوم العرفي أي بالعرف و العادة، و اعتقاد المخاطب في مسائل البيان، و لم يتطلّبوا اللزوم العقلي أي الحق و الواقع.
ذلك هو مذهب القرآن القصصي، و هو مذهب يرد على هؤلاء جميعا اعتراضاتهم، ذلك لأنهم يبنون هذه الاعتراضات على أساس المخالفات التاريخية، مخالفات القصص القرآني لما أثبته الكشف التاريخي و قال به المؤرخون من غير المسلمين، و هو بناء لا يستقيم مع هذا العرف الأدبي الذي قرّرناه، ذلك لأن الذي يعاب على القاصّين هو المخالفة التاريخية الصادرة عن جهل بمسائل التاريخ و قضاياه. أما تلك التي تصدر عن مذهب أدبي هو تصوير اعتقاد المخاطب ليتّخذ وسيلة إلى ما وراءه فأمر لا يعاب، و بخاصة إذا كان هذا الكشف التاريخي قد جاء بعد قرون و قرون. إن المخالفات مع فرض ثبوتها و إقامة الدليل عليها، إنما هي مخالفات لما كانت تعرفه البيئة من تاريخ، و أمثال هذه المخالفات لا تضير القرآن في شيء، لأنه لم يدل على أنه قد قصد إلى التاريخ و إلى تعليمه للناس و نشر وثائقه بينهم. هذا هو رأينا، لك أن تخالف فيه و لك أن تقرّه، و ليس بيني و بينك إلا هذه الآية الكريمة: قُلْ هََذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اَللََّهِ عَلىََ بَصِيرَةٍ أَنَا وَ مَنِ اِتَّبَعَنِي وَ سُبْحََانَ اَللََّهِ... [١] .
[١] سورة يوسف، الآية ١٠٨.