الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٨٣ - الأدب و التاريخ
خوف موسى فمرة اكتفى بقوله خُذْهََا وَ لاََ تَخَفْ [١] و مرة أخرى قال فَلَمََّا رَآهََا تَهْتَزُّ كَأَنَّهََا جَانٌّ وَلََّى مُدْبِراً وَ لَمْ يُعَقِّبْ يََا مُوسىََ لاََ تَخَفْ إِنِّي لاََ يَخََافُ لَدَيَّ اَلْمُرْسَلُونَ [٢] . و هكذا في غيرهما من المواقف كتعبيره بالرجفة مرة و بالصيحة أخرى و الطاغية في غيرهما و كتعبيره في انشقاق الحجر عن الماء في قصة موسى فانفجرت مرة و انبجست أخرى و هكذا من المسائل التي جعلتهم يعدون القصص القرآني من المتشابه و ليس من شك عندي في أن الاختلاف كان نتيجة تغيّر في القصد أو الموقف و أن هذا التغيّر جعل هذه قصة و تلك قصة و ما نرى من إختلاف ليس إلا الصور الأدبية التي تلائم المقاصد و الأغراض.
(٦) وجود مواقف جديدة لم تحدث بعد في سياق القصة التي تصوّر أحداثا وقعت و انتهت و من ذلك قوله في سورة الأعراف اَلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ اَلرَّسُولَ اَلنَّبِيَّ اَلْأُمِّيَّ اَلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي اَلتَّوْرََاةِ وَ اَلْإِنْجِيلِ [٣] و ذلك في سياق القصة التي تصوّر موسى و اختياره للسبعين رجلا و توجّهه إلى اللّه و من ذلك ما سبق أن ذكرناه من قوله تعالى وَ قَوْلِهِمْ إِنََّا قَتَلْنَا اَلْمَسِيحَ عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اَللََّهِ [٤] فليس من شك أن اليهود ينكرون رسالة عيسى و من أجل ذلك قتلوه. فهم لم يقولوا هذا القول و إنما أنطقهم به القرآن. و من قوله تعالى في آخر سورة المائدة وصفا لموقف في الآخرة وَ إِذْ قََالَ اَللََّهُ يََا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنََّاسِ اِتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلََهَيْنِ مِنْ دُونِ اَللََّهِ... [٥] إلخ. فإن هذا القول و هذا الحوار تصوير لموقف لم يحدث بعد بل لعله لن يحدث إذ القصد منه كما سبق أن ذكرنا التأثير على المعاصرين لمحمد عليه السلام و العمل على تنفيرهم من عبادته و عبادة أمه عليهما السلام.
و مثل ذلك الموقف أو قريب منه ما عرض له القرآن من حديث عن الجن في أثناء
[١] سورة طه، الآية ٢١.
[٢] سورة النمل، الآية ١٠.
[٣] سورة الأعراف، الآية ١٥٧.
[٤] سورة النساء، الآية ١٥٧.
[٥] سورة المائدة، الآية ١١٦.