الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٢٠٤ - (٣) القصة الأسطورية
و نحن إذ نعتقد بصدق القرآن و دقّته في تصوير إحساساتهم لا بد لنا من التسليم بأن هذه العقيدة كانت قوية عندهم و تقوم على أساس يطمئنون إليه من حيث وسعهم معه أن يقرروا بهذه القوة وجود الأساطير في القرآن ذلك لأنهم لا يستطيعون هذا القول إلا إذا كان هناك ما يبرّر فعلا هذا القول في تقديرهم و يجعلهم يؤكّدونه هذا التأكيد.
و في الأحقاف يقف ولد هو فيما يروي المفسّرون ابن أبي بكر الصديق من والديه هذا الموقف القاسي العنيف وَ اَلَّذِي قََالَ لِوََالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمََا أَ تَعِدََانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَ قَدْ خَلَتِ اَلْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَ هُمََا يَسْتَغِيثََانِ اَللََّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اَللََّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مََا هََذََا إِلاََّ أَسََاطِيرُ اَلْأَوَّلِينَ [١] .
و ما من شك في صدق القرآن و دقّته في تصويره لخلجات الأنفس و لذا نقدّر بأن هذا الشخص الذي يضجر من والديه و يتأفف من قولهما و يشك في عودته إلى الحياة مرة ثانية و يقيم هذا الشك على ملاحظته لظاهرة من الظواهر هي أن القرون قد خلت من قبله و لم يعد إلى الحياة أحد كان قوي العقيدة شديد اليقين في أن ما وعد به من الإخراج إنما هو من الأساطير.
و هكذا نلحظ أن الشبهة عنده قوية عنيفة و أن القرآن يصوّرها تصويرا دقيقا صادقا و نحس نحن من هذا التصوير القرآني أن القوم كانوا إنما يعبّرون عما يحسّون و يشعرون به نحو ما يتلى عليهم من آي الذكر الحكيم فهم لم يقولوا هذا القول كذبا و ادعاء و إنما قالوه عن شبهة قوية و عقيدة ثابتة.
و نستطيع أن نسأل أنفسنا قائلين هل معنى ذلك الذي يقرّره القرآن أن في القرآن شيئا دعاهم إلى هذا القول الذي يدل على التقرير القوي و الاعتقاد المتمكّن و هل هذا الشيء من الأخطاء التي ملكت عليهم نفوسهم أو هو شيء من حال القرآن جعلهم يقولون ذلك؟لنلتمس الجواب عن هذا من دلالة تعرّض القرآن للأساطير من نفيها عن نفسه و شدة حرصه على ذلك أو من دلالته على وقوفه منها موقفا يخالفه ذلك؟
لننتظر و سنرى.
[١] سورة الأحقاف، الآية ١٧.