الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٢٠٠ - (٣) القصة الأسطورية
الثاني ما في القصة من توجيهات دينية نحو قواعد الدعوة الإسلامية و مبادئ الدين الحنيف.
و الرازي يلحظ أن الأمر الأول و هو هيكل القصة أو جسم الحكاية هو الذي أدخل الشبهة على عقول المشركين حين ظنّوا أنه المقصود من القصص و من أجل هذا ذهبوا إلى ما ذهبوا إليه من أن القرآن أساطير الأولين.
و الرازي يقرّر أن المقصود أمور أخرى مغايرة لهذا الجسم من القصة.
و جاء في المنار من حديث عند تفسيره لقصة هاروت و ماروت من سورة البقرة ما يلي «قال الأستاذ الإمام ما مثاله: بينّا غير مرة أن القصص جاءت في القرآن لأجل الموعظة و الاعتبار لا لبيان التاريخ و لا للحمل على الاعتقاد بجزئيات الأخبار عند الغابرين و إنه ليحكي من عقائدهم الحق و الباطل و من تقاليدهم الصادق و الكاذب و من عاداتهم النافع و الضار لأجل الموعظة و الاعتبار فحكاية القرآن لا تعدو موضع العبرة و لا تتجاوز مواطن الهداية و لا بد أن يأتي في العبارة أو السياق و أسلوب النظم ما يدل على استحسان الحسن و استهجان القبيح.
و قد يأتي في الحكاية بالتعبيرات المستعملة عند المخاطبين أو المحكى عنهم و إن لم تكن صحيحة في نفسها كقوله كَمََا يَقُومُ اَلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ اَلشَّيْطََانُ مِنَ اَلْمَسِّ [١] و كقوله بَلَغَ مَطْلِعَ اَلشَّمْسِ [٢] و هذا الأسلوب مألوف فإننا نرى كثيرا من كتاب العربية و كتاب الإفرنج يذكرون آلهة الخير و الشر في خطبهم و مقالاتهم لا سيما في سياق كلامهم عن اليونان و المصريين القدماء و لا يعتقد أحد منهم شيئا من تلك الخرافات الوثنية» [٣] .
إذ الواضح أن الأستاذ الإمام يجيز أن يكون في التعبير القرآني قصصا و غير قصص أثر للأساطير إجراء للعبارات على تلك الظواهر الخرافية لأنه يحكي من عقائدهم الحق و الباطل كما يجيز أن يكون القرآن قد أجرى أساليبه كما هو المعروف عند الأدباء فجعل الخرافات الوثنية أداة للتعبيرات البلاغية.
[١] سورة البقرة، الآية ٢٧٥.
[٢] سورة الكهف، الآية ٩٠.
[٣] المنار، جـ ١، ص ٣٩٩.