الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ١٨٦ - ٢-القصة التمثيلية
النفس فكلهم يعترف بذلك حتى من يخشى منهم أن يكون التمثيل في قصة الملكين كذبا.
جاء في النيسابوري ما يلي: و نحن نرى أن الإنسان يذكر معنى فلا يلوح كما ينبغي فإذا ذكر المثال اتّضح و انكشف و ذلك أن من طبع الخيال حب المحاكاة فإذا ذكر المعنى وحده أدركه العقل و لكن مع منازعة الخيال و إذا ذكر التشبيه معه أدركه العقل مع معاونة الخيال و لا شك أن الثاني يكون أكمل. و إذا كان التمثيل يفيد زيادة البيان و الوضوح وجب ذكره في الكتاب الذي أنزل تبيانا لكل شيء [١] .
لا يرجع سر الاختلاف إذا إلى التمثيل من حيث هو تمثيل و لا إلى قوته و أثره النفسي في العاطفة و الوجدان و إنما يرجع إلى نظرية الأقدمين في الصدق و الكذب و إلى إيمانهم بمنطق العقل وحده و إهمالهم لما عداه حتى المنطق الأدبي منطق العاطفة و الوجدان.
إن سر الاختلاف يرجع إلى أن بعضهم لا يعرف إلا الصدق العقلي و هو مطابقة القول للواقع و ينكر أو ينسى ما عداه. و من هنا رأى في المعاني التي تجيء في صورة التمثيل نوعا من الكذب لا يليق بالملائكة. أما البعض الآخر فقد وفّق إلى الحقيقة الأدبية و اقترب من رأي المحدثين في الصدق الفني و من هنا لم ينظروا إلى المسألة هذه النظرة القاصرة و لم يذهبوا إلى أن التمثيل كذب و مضوا على أنه تصوير للمسائل و فرض لها و التصوير للمسائل و الفرض لها لا يعتبر من الكذب و من هنا لم ير هؤلاء في صنيع الملائكة شيئا من الكذب في قليل أو كثير و من هنا أصابوا التوفيق.
إن الأقدمين قد لمسوا الحقيقة الفنية أو الأدبية حين عرفوا الصدق في كتب البلاغة و حين اختلفوا في هذا التعريف و لقد أضرّوا بالدراسة الأدبية حين وقفوا عند الصدق المنطقي و رجّحوا التعريف القائل بأن الصدق مطابقة القول للواقع ذلك لأنهم بهذا التعريف قد دفعوا غيرهم من المفسّرين و رجال الدين إلى إنكار وجود القياس الشعري و الحقيقة الفنية في كل من القرآن الكريم و في كلام الأنبياء.
[١] غرائب القرآن، جـ ١، ص ١٩٥.