الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٣٤٠ - تطوّر الفن القصصي
٣٤٠
لَطِيفٌ لِمََا يَشََاءُ إِنَّهُ هُوَ اَلْعَلِيمُ اَلْحَكِيمُ [١] .
فأنت ترى هذه القصة بنيت بناء محكما من حيث فن البناء القصصي. ففيها وحدة الموضوع، و إحكام التصميم و فيها جودة الحبكة، و فيها الانفتاح بالحوادث الاستطرادية.
و شخصية يوسف هي الشخصية الرئيسية التي تدور حولها الحوادث. أما غيره من الشخصيات فتظهر و تختفي كلما دعت الحوادث. فيظهر الإخوة في أرض فلسطين حيث كان يقيم معهم و يختفون حيث رحل. و تظهر السيارة كوسيلة لانتقال يوسف من البدو إلى الحضر. و يمضون إلى غير رجعة حين باعوه للعزيز. و يظهر العزيز و امرأته و واحد من أهلها و نسوة المدينة، كل يؤدي دوره المنوط به حين يكون مسرح الحوادث بيت العزيز. ثم يختفون حين ينقل يوسف إلى السجن. و هنا يظهر صاحباه و يتركه أحدهما إلى غير رجعة حين يصلب، و يعود إليه الثاني مرة ثانية حين يرى الملك رؤياه. و يظهر الملك على مسرح الحوادث حين نسمع رؤياه و يبقى حتى يسلّم خزائن الأرض ليوسف بعد إذ يبرئه من دعواه، و يحضر النسوة ليعترفن بما قدّمت أيديهن من شر لهذا الفتى. و يختفي الملك و النسوة و يظهر إخوة يوسف مرة ثانية و يبقون على المسرح حتى ينقلوا إلى مصر و معهم أبوهم و من شاء.
فأنت ترى أن الشخصية الرئيسية هي شخصية يوسف و أن الشخصيات الأخرى شخصيات ثانوية تظهر و تختفي حسب الخطوط أو حسب ما يؤدون من أدوار. و قد حلّلنا فيما مضى شخصيتين من هذه الشخصيات هما يوسف و شخصية امرأة العزيز.
و الأحداث في هذه الشخصية أحداث عادية تقع لكل شخص و في كل زمان و مكان فليس يبعد أن يرحل إسرائيلي من بلد إلى آخر و هو فقير معدم فتصير إليه مقاليد بيت المال، و ليس يبعد أن تقع كل هذه الأحداث لشخص فيكون موقفه منها موقف يوسف حتى حادث المراودة، و لا تستغرب إلا حالة إلقاء القميص على وجه أبيه و ارتداده بصيرا فتلك قد تكون من خصائص الأنبياء.
[١] سورة يوسف، الآيتان ٩٩-١٠٠.