الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٣٥٥
على أننا نلحظ هنا عناصر أخرى غير السابقة هي عدم سؤالهم الأجر ثم إعلانه لهم بأنه أمر أن يكون من المسلمين. و ليس من شك عندي في أن هذه التفاتة من القرآن واضحة صريحة نحو الدعوة الإسلامية و أن إبراهيم قد جاء بعد نوح في الترتيب الزمني حتى في القرآن.
و لم يبق من هذه المجموعة غير قصة نوح في سورة الشعراء، و هي تمثّل عناصر مختلفة من الدعوة الإسلامية. يقول اللّه تعالى كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ اَلْمُرْسَلِينَ*`إِذْ قََالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَ لاََ تَتَّقُونَ*`إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ*`فَاتَّقُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُونِ*`وَ مََا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاََّ عَلىََ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ*`فَاتَّقُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُونِ*`قََالُوا أَ نُؤْمِنُ لَكَ وَ اِتَّبَعَكَ اَلْأَرْذَلُونَ*`قََالَ وَ مََا عِلْمِي بِمََا كََانُوا يَعْمَلُونَ*`إِنْ حِسََابُهُمْ إِلاََّ عَلىََ رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ*`وَ مََا أَنَا بِطََارِدِ اَلْمُؤْمِنِينَ*`إِنْ أَنَا إِلاََّ نَذِيرٌ مُبِينٌ*`قََالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يََا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ اَلْمَرْجُومِينَ* `قََالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ*`فَافْتَحْ بَيْنِي وَ بَيْنَهُمْ فَتْحاً وَ نَجِّنِي وَ مَنْ مَعِيَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ [١] .
فهنا نلحظ غير ما تقدّم في القصص السابقة التهديد و الوعيد و أنهم سيرجمونه إن لم ينته عما يقول أو عن دعوتهم للدين الجديد كما نلحظ عنصرا آخر هو الحديث عن الأراذل، و عن أنهم العقبة الوحيدة في سبيل دخولهم إلى الدين الجديد، و أنهم من أجل ذلك يطلبون إليه أن يطردهم و لكن أنى له أن يبعد عنه الأنصار و الأعوان، و ليس من عمله إلا الإنذار أما ما عدا ذلك من ثواب أو عقاب فأمر يملكه الواحد القهار.
و أظنك لست في حاجة إلى أن أدلّك على أن هذا الصنيع بعينه هو الذي كان من الأغنياء و من مشركي قريش، و أنه الذي من أجله نزلت بعض آيات القرآن وَ لاََ تَطْرُدِ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدََاةِ وَ اَلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مََا عَلَيْكَ مِنْ حِسََابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَ مََا مِنْ حِسََابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ اَلظََّالِمِينَ [٢] .
و ننتقل إلى قصص المجموعة الثانية، و هي القصص التي يراد بها إلى التنفيس فنجد
[١] سورة الشعراء، الآيات ١٠٥-١١٨.
[٢] سورة الأنعام، الآية ٥٢.