الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ١٩٠ - ٢-القصة التمثيلية
و سيم الخسف بالتأويلات الغثة و الوجوه الرثة لأن من تأوّل ليس من هذا العلم في عير و لا نفير و لا يعرف قبيلا من دبير [١] .
فصاحب الكشاف يدلّنا على أن المعاني قد تجيء في صورة التمثيل مباشرة و هنا لا يأخذ القارئ أو السامع المعاني من الألفاظ المفردة و من جزئيات التراكيب و إنما يأخذ المعاني من الكلام بجملته و يفهم أن معاني الألفاظ غير مقصودة في أمثال هذه التراكيب.
ثم هو يدلّنا على أن هذه الصور تكون عادة من صنيع الخيال و أن الوقوف على ما فيها من عواطف و آراء عسير شاق و أنه الأمر الذي تزل فيه الأقدام.
و تنتهي من كل حديث الزمخشري على أن التمثيل من صنع الخيال و أنه موجود في كتاب اللّه. و أن من المعاني ما يجيء مباشرة في صورة التمثيل و أن استخراج هذه المعاني يحتاج إلى دربة و مقدرة في علوم البيان.
و هكذا نرى أن الاعتماد على عنصر الخيال أسلوب من أساليب القرآن و أنه الأسلوب الذي دفع إليه حاجة العقل البشري إلى هذا اللون من الكلام.
و يحسن بنا الآن أن نعرض عليك ألوانا من القصص التمثيلي الذي قال القدماء و المحدثون من أئمة التفسير بوجوده في القرآن.
و قبل أن نعرض هذه الأشياء نلفت الذهن إلى أن للتمثيل مظهرين: الأول أن يجيء في أعقاب المعاني ليزيدها قوة و جلاء. و الثاني أن يجيء المعنى ابتداء في صورة التمثيل.
و هذا ما يشير إليه الجرجاني حين يقول: «و اعلم أن مما اتّفق العقلاء عليه أن التمثيل إذا جاء في أعقاب المعاني أو برزت هي باختصار في معرضه و نقلت عن صورها الأصلية إلى صورته كساها أبهة و أكسبها منقبة و رفع من أقدارها و شبّ من نارها و ضاعف قواها في تحريك النفوس لها و دعا القلوب إليها و استثار لها من أقاصي الأفئدة صبابة و كلفا و فسر الطباع على أن تعطيها محبة و شغفا» [٢] .
[١] الكشاف، جـ ٢، ص ٢٧٠.
[٢] أسرار البلاغة، ص ٨٦ و ما بعدها.