الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ١٤١ - القيم الدينية و الخلقية
جاء القرآن و القوم يذهبون في الغالب مذهبين: الأول أن الرسول لا بد و أن يكون من الملائكة و ذلك هو الرأي الذي صوّرنا أن القرآن يجري على خلافه عند حديثنا عن المعاني الاجتماعية من أن الرسول يكون من الجماعة و يكون من الذين عرفوا آمالها و أحسوا آلامها فهو أخو القوم المتحدّث بلسانهم.
الثاني أن الرسول من البشر لكنه يؤيد دائما بمعجزة و من هنا كانوا يقفون دائما في وجه الأنبياء يطالبونهم بالآيات أو البينة.
و موقف القرآن هنا موقف من لا ينكر أمر المعجزة لكنه ينكر أن يتوقف الإيمان عليها أو يتعلق بها و لذا نراه يذكر المعجزات التي عرفت لمن سبق النبي عليه السلام من الرسل فيذكر معجزات موسى و عيسى كما يذكر ناقة صالح و إلقاء إبراهيم في النار.
لكنه في الوقت نفسه يرى ألا تعلق لهذه بتلك فالآيات لم تأت دائما لتكون الدليل و إنما جاءت تخويفا و إنذارا و من هنا أصبحت قليلة النفع عديمة الفائدة. يقول اللّه تعالى وَ مََا مَنَعَنََا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيََاتِ إِلاََّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا اَلْأَوَّلُونَ وَ آتَيْنََا ثَمُودَ اَلنََّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهََا وَ مََا نُرْسِلُ بِالْآيََاتِ إِلاََّ تَخْوِيفاً [١] .
و الآيات قد تأتي الواحدة بعد الأخرى و مع ذلك لا يكون إيمان و لا ينفع مع المعارضة أي دليل. قال تعالى وَ لَوْ أَنَّنََا نَزَّلْنََا إِلَيْهِمُ اَلْمَلاََئِكَةَ وَ كَلَّمَهُمُ اَلْمَوْتىََ وَ حَشَرْنََا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مََا كََانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاََّ أَنْ يَشََاءَ اَللََّهُ وَ لََكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ [٢] .
و قد فطن الطبري إلى ذلك فقال عند تفسيره لهذه الآية: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلّى اللّه عليه و سلّم يا محمد آيس من فلاح هؤلاء العادلين بربهم الأوثان و الأصنام القائلين لك لئن جئتنا بآية لنؤمن لك فإننا لو نزلنا إليهم الملائكة حتى يروها عيانا و كلمهم الموتى بإحيائنا إياهم حجة لك و دلالة على نبوّتك و أخبروهم أنك محق فيما تقول و أن ما جئتم به حق من عند اللّه و حشرنا عليهم كل شيء قبلا فجعلناهم لك قبلا ما آمنوا و لا صدّقوك و لا اتّبعوك إلا أن يشاء اللّه لمن شاء منهم و لكن أكثرهم
[١] سورة الإسراء، الآية ٥٩.
[٢] سورة الأنعام، الآية ١١١.