الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٤١٣ - الفن في القصة القرآنية
الأدبي و حسب. و يأتي على رأسها الجمع بين العناصر المتباعدة زمنيا في حياة الأمة بل في حياة البشر. و يمثل للأولى بما ورد في حق بني إسرائيل أنهم يجدون نعت محمد في التوراة و الإنجيل فإن كان المقصود هم الأسلاف فكيف يعتقدون نبوّته و هو لم يبعث بعد كما أنه في ذاك الزمان لم يكن الإنجيل قد أنزل؟
و إن كان المراد المعاصرين فلا يفوز بها (هذه الرحمة) إلا من اتّقى من بني إسرائيل و آتى الزكاة و آمن بالدلائل في زمن موسى و اتّبع آخر نبي الزمان في شرائعه غاية القول أن القرآن جمع بين عناصر متباعدة في حياة بني إسرائيل.
أما هذا (الصنيع) في حياة البشرية فقد جاء بصدد الحديث عن قصة هابيل و قابيل ابني آدم ففي البحر المحيط أنهما لم يكونا كذلك و إنما هما أخوان من بني إسرائيل لأن القربان شرّع في بني إسرائيل و في رأينا أنها ملاحظة غاية في الدقة و الذكاء لأن تاريخ الأديان يخبرنا أن تقديم القرابين جاء متأخرا كثيرا عن فجر البشرية و أنها تفاوتت ما بين قرابين بشرية و حيوانية مما يجعل أنه من أعسر العسر تقديم قابيل و هابيل ابني آدم قرابين لعدم معرفتهما بهذا الطقس العبادي. و الذين دفعوا ملاحظة صاحب البحر قالوا إنه من المستحيل عقلا أن يجهل بنو إسرائيل طريقة الدفن حتى يعلّمهم إياها غراب؟و يفهم من سياقة قول خلف اللّه أنه أخذ بهذا الاعتراض إنما في رأينا أنه اعتراض غير سديد لأن الجمع بين تقديم القربان و القتل غير لازم إذ قد يرجع القتل إلى فوز الأخ بالأخت أو الزوجة الجميلة ثم بعد ذلك جهل طريقة مواراة الجثة في الثرى أما تقديم القربان فهو طقس متأخر لم تعرفه البشرية و تضمنه عباداتها إلا بعد حين إما استرضاء للآلهة أو اتقاء لغضبها!
و ينتهي خلف اللّه إلى أن المخرج من هذه البلبلة كلها في القصتين أن القرآن ما قصد إلا التصوير و التمثيل على أساس أدبي عاطفي و لو باعد الزمان بين أحداث القصة الواحدة.
و الصنيع الثاني هو إنطاق الأشخاص بما لم ينطقوا به مراعاة لأمور اعتبارية و هو ما أجازه كثير من المفسّرين و المثل على ذلك-و قد كرّره خلف اللّه كثيرا- وَ قَوْلِهِمْ إِنََّا قَتَلْنَا اَلْمَسِيحَ عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اَللََّهِ [١] و معلوم أن اليهود لم يعترفوا برسوليته و لكن الرد يأتي
[١] سورة النساء، الآية ١٥٧.
غ