الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٤١٤ - الفن في القصة القرآنية
على أن ذلك إنما جاء للاستهزاء كما ورد على لسان فرعون عن موسى إِنَّ رَسُولَكُمُ... [١] و قد أجاز هذا التأويل بالإضافة إلى الرازي كل من النيسابوري و أبي حيان. و يعقّب المؤلّف قائلا إن إنطاق الأشخاص بما لم ينطقوا به لاعتبارات يراها الخالق جل و علا دليل على أن القصص القرآني عرض الأحداث و الأقوال عرضا أدبيا لا تاريخيا.
و ثالثها إسناد الأحداث لأشخاص بأعيانهم في موطن ثم إسنادها بذواتها لغيرهم في موطن آخر و ضرب لذلك مثلا سبق له أن ضربه و هو عبارة لَسََاحِرٌ عَلِيمٌ [٢] عن موسى، فهي مرة نطق بها فرعون و مرة جاءت على لسان الملأ من قومه و كذلك البشارة بالخلف بعد العقم المديد مرة وجّهت إلى الزوج إبراهيم و مرة أخرى خوطبت بها الزوجة سارة. و هذه كلها تراكم الأدلة على أن القرآن في سرده يعرض عن الأساليب التاريخية و يعتمد على الأساليب الأدبية و الوسائل الفنية أو البلاغية. و يطلب منا المؤلّف أن نتّفق جميعا و لا يشذ واحد منا على وجود القصة التاريخية الأدبية في القرآن و أن المنطق الأدبي هو الذي يسودها و إلى هنا يختم كلامه عن هذا النوع من القصص.
بيد أننا قبل أن ننتقل مع خلف اللّه إلى القصص التمثيلي نقف معه مليا عند القصص التاريخي إذ لم يحدّد لنا المؤلّف المعيار الذي انطلق منه لتحديد تاريخية القصة:
هل هو ثبوتها في مدوّنات التاريخ المعتمدة؟
أم هل هو احتفاظ الشعوب في ذاكراتها لوقائعها؟
و هل مجرد ورودها في التوراة يضفي عليها صفة التاريخية؟
لقد كان حريا به و هو بصدد كتابة بحث أكاديمي أن يفعل ذلك و لعل إغفاله ذكر هذا المعيار هو الذي دفع به إلى إضفاء الصفة التاريخية على قصص و وقائع و أحداث في حين أنها ليست كذلك. فنزاع ابني آدم و قتل أحدهما الآخر و جهل القاتل بكيفية دفن جثة أخيه المقتول هذا ليس تاريخا و إنما هو أدخل في باب الميثولوجيا و لهذه الأحدوثة (العامة في
[١] سورة الشعراء، الآية ٢٧.
[٢] نفس السورة، الآية ٣٤ و سورة الأعراف، الآية ١٠٩.