الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٢٥٧ - البيئة العربية
و مما يؤيّد ما نذهب إليه أن دوران هذه المواد في القرآن كان. يتبع الشهرة فالشخصية التي عرفت و اشتهرت و الأحداث التي شاعت في البيئة كانت أكثر المواد استخداما في بناء القصة القرآنية. و على العكس من ذلك الأحداث التي لم تعرف و الشخصيات التي لم تشتهر. و لعله من هنا كانت شخصية موسى أكثر دورانا من شخصية أيوب مثلا بل أكثر من أي شخصية أخرى. ذلك لأن موسى كان نبي اليهود و لقد كان اليهود في ذلك الزمن يسيطرون على البيئة العربية من حيث التفكير الديني حتى لقد كان العرب أنفسهم يستشيرونهم في أمر محمد عليه السلام. و هذه السيطرة تجعلهم يقصون كثيرا أخبار موسى و فرعون و قليلا أخبار غيره من الأنبياء.
إن مذهب القرآن فيما يتضح من الظواهر السابقة هو بناء القصة القرآنية على عناصر يستمدها من البيئة أو من العقلية العربية و ليس ذلك إلا ليكون القصص أشد تأثيرا و أقوى سلطانا و إلا ليمضي القص بين المألوف العادي من الأحداث و الأشخاص و الغريب النادر من الأفكار و الآراء.
مصادر القصص القرآني في الغالب هي العقلية العربية فالقرآن لم يبعد عنها إلا في القليل النادر و من هنا جاءت فكرة الأقدمين القائلة بأن القرآن ليس إلا أساطير الأولين ذلك لأنهم نظروا فوجدوا الشخصيات القصصية و الأحداث القصصية مما يعرفون و من هنا أيضا كان كل من الرازي و النيسابوري في غاية اللباقة و الدقة في الفهم حين فرّقا بين جسم القصة و هيكل الحكاية و بين ما جاء فيها من توجيهات دينية و حين قالا بأن هذه التوجيهات هي المقصد الأول من القصص القرآني أما الجسم و الهيكل فليست له قيمة كبيرة لأنه ليس المقصد و الغرض و ليس هناك ما يمنع من أن يكون الجسم أو الهيكل من أساطير الأولين.
و لعلك لا زلت تذكر نص الرازي الذي وضعناه بين يديك في الفصل الأول من هذا الباب عند حديثنا عن القصة الأسطورية، فإنه النص الذي نشير إليه في هذا المقام.
يأخذ القرآن كما ترى عناصره القصصية من البيئة العربية و يبني من هذه العناصر أقاصيص هي التي نراها في القرآن الكريم و هي التي نريد أن نشرح ما فيها من صنيع بلاغي أو من عمل أدبي لعل هذا الشرح أن يبصرنا بما في هذا القصص من أسرار للإعجاز.