الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٢٥٩ - البيئة العربية
و يضربون لهذا الصنيع المثل بألفاظ الصلاة و الزكاة فلكل منهما معناها في اللغة و معناها في الشرع. و يذهب الأصوليون في الحديث عن هذا الصنيع إلى أبعد من هذا فيذكرون لنا أن دلالة هذه الألفاظ على المعاني الشرعية لا تحتاج إلى القرائن [١] .
و يذهب البلاغيون إلى أن أسرار الإعجاز الأدبي لا تكون في المعاني اللغوية أو النحوية و هي المعاني الأولى و إنما تكون في المعاني الثانية و هي التي يحمّلها الأديب اللفظ أو العواطف البشرية التي تمتلئ بها الألفاظ و التراكيب و من هنا يجعلون للنظم الفضل و المزية.
يقول ابن الأثير: ... موضوع علم البيان هو الفصاحة و البلاغة و صاحبه يسأل عن أحوالهما اللفظية و المعنوية و هو و النحوي يشتركان في أن النحو ينظر في دلالة الألفاظ على المعاني من جهة الوضع اللغوي و تلك دلالة عامة و صاحب علم البيان ينظر في فضيلة تلك الدلالة و هي دلالة خاصة و المراد بها أن يكون على هيئة مخصوصة من الحسن و ذلك أمر وراء النحو و الإعراب. أ لا ترى أن النحوي يفهم معنى الكلام المنظوم و المنثور و يعلم مواقع إعرابه و مع ذلك فإنه لا يفهم ما فيه من الفصاحة و البلاغة و من هنا غلط مفسّرو الأشعار في اقتصارهم على شرح المعاني و ما فيها من الكلمات اللغوية و تبيين مواقع الإعراب منها دون شرح ما تضمّنته من أسرار الفصاحة و البلاغة [٢] .
و واضح أن ابن الأثير يرى الغلط كل الغلط في الوقوف على المعاني الأولى و شرح الكلمات اللغوية و تبيين مواضع الإعراب. و يرى أن الفهم الدقيق للنصوص الأدبية إنما يكون في الوقوف على ما فيها من أسرار للفصاحة و البلاغة أو بعبارة أخرى على ما فيها من فن أدبي جميل.
و يرى النقاد و الأدباء أن الفضل و المزية في الأدب إنما يكونان بإيحاءات أدبية و إثارات فنية يحملها اللفظ كما تكون في مقدار ما يعبّر عنه من انفعالات و ما يصوّر من أحاسيس و من هنا نراهم يقدرون آثار الاستعمال و هي شيء بعد المعاني اللغوية كما نراهم يبحثون عن تلك الروح التي بثّها الأديب في اللفظ و منحه بها الحيوية.
[١] فواتح الرحموت، جـ ١، ص ٢٢١-٢٢٢.
[٢] المثل السائر، ص ٣.