الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٣١٦ - ثانيا-الحوادث
هود حَمِيدٌ مَجِيدٌ نقول لما بينّا أن الحكاية هناك أبسط...
هذه الحكاية بعينها هي المحكية في هود و هناك قالوا إِنََّا أُرْسِلْنََا بعد ما زال عنه الروع و بشّروه و هنا قالوا إِنََّا أُرْسِلْنََا بعد ما سألهم عن الخطب و أيضا قالوا هناك إِنََّا أُرْسِلْنََا إِلىََ قَوْمِ لُوطٍ و قالوا هاهنا إِنََّا أُرْسِلْنََا إِلىََ قَوْمٍ مُجْرِمِينَ و الحكاية عن قولهم فإن لو يقولوا ذلك ورد السؤال أيضا.
و الأمر هنا-كما ترى-واضح كل الوضوح من أن الأحداث لم ترتّب ترتيبا واحدا و لم يجعل الزمن هو المحور الذي تدور حوله و لم تصوّر الأحداث بصورة واحدة و أنطق الملائكة بألفاظ مختلفة و عبارات متفاوتة في الحادثة الواحدة و المنظر الواحد.
و المسألة عندي ترجع إلى القصد الذي من أجله بنيت القصة ففي هود كان القصد التسرية عن نفس محمد صلّى اللّه عليه و سلّم و تخفيف الضغط العاطفي و من هنا عني القرآن بالتفضّل على إبراهيم بأمور و ساق القصة هذا المساق فكان الحديث عن البشرى و ذكر اسمه، و كان الحديث عن قوم لوط لا المجرمين و كان الحديث عن الحميد المجيد.
و في الذاريات بنيت القصة للتخويف و هنا كان الإنكار سريعا، و من هنا وصف قوم لوط بالمجرمين، و من هنا أسرع إلى الحديث عن قوم لوط لينزل بهم العذاب.
و هنا يجب ألا ننسى أن القرآن قد يعمد إلى التنويع أحيانا حتى لا يمل القارئ أو السامع من التكرار.
كان محور الربط إذا هو القصد الذي من أجله بنيت القصة و كانت الحبكة الفنية قائمة على أن هذا التسلسل يوصل إلى هذه النتيجة أو تلك و كان إختلاف التسلسل قائما على هذا الأساس.
و ننتقل الآن إلى أسلوب القرآن الكريم في رسم الصورة أو عرض الحادثة. و نلحظ أن القرآن لم يسلك طريقة واحدة و إنما نوّع في قصصه و نلحظ من تنويعه هذه الظاهرات.
(١) كان القرآن يعتمد أحيانا على الألفاظ الفخمة الضخمة ذات الرنين القوي التي تؤثر بمبناها و معناها، كما تؤثر بموسيقاها. و كان يعمد أحيانا إلى الجمل المسجوعة القصيرة الفقرات ليزيد من قوة الرنين فتملأ موسيقى الألفاظ الأذن نغما و القلب خشية