الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٤١١ - الفن في القصة القرآنية
الثاني: أن للجانب الغربي مساكن يحيط بها البحر ذي المياه الساخنة للغاية فهي حامية و حمئة لكثرة ما فيها من الحمأة السوداء. و هذا التأويل في رأينا لا يقل عن سابقه تعسّفا فما الذي كان يمنع من القول: تغرب في بحر ساخن كما أن اشتمال البحور الغربية على حمأة سوداء مسألة فيها نظر.
الثالث: قول أهل الأخبار أن الشمس تغيب في عين كثيرة الماء. و الرازي نفسه كشف عن فساده بقوله (و هذا في غاية البعد) و يرى أن الشمس طالعة و ظاهرة في كل الأوقات لأن الذين عندهم ليل في نصف الكرة يكون هناك نهار طالعة فيه الشمس عند من هم في النصف الآخر و من ثم يغدو القول بغيابها في عين حمئة على خلاف اليقين و لما كان كلام اللّه مبرأ من ذلك لزم التأويل (الذي ذكرناه) مع أننا رأينا أن هذا التأويل أو التأويلات (ليست بشيء) !
و يخلص خلف اللّه إلى أن كلا من النيسابوري و الرازي و أبي حيان ذهبوا إلى ضرورة التأويل في هذه المسألة (ليبرأ كلام اللّه من أن يكون على خلاف اليقين) و يضيف أنه إذ يتّفق معهم في أن هذا ليس تصويرا لحقيقة تاريخية و يحترم تأويلاتهم فإنه يختلف معهم لأن المسألة ليست في حاجة إليها إذ أن القرآن سواء في هذه القصة أم تلك التي سبقتها إنما كان يصوّر معرفة أهل الكتاب عن الإسكندر و لما أخبروا به وفد قريش الذين حضروا من مكة ليسألوهم عن محمد و هل هو نبي حقا.
ثم يقارن بين الطبري و الزمخشري صاحب الكشّاف من جانب و بين الرازي من جانب آخر و يرجع العلّة في ذلك إلى أن الأخير (الثالث) عرف ما لم يعرفه الأول و الثاني عن حقيقة الشمس و الأرض و سائر الكواكب و من ثم فلم يضطراهما إلى التأويل، إذن الكشوف العلمية هي التي دفعت الرازي إلى طرح تلك التأويلات.
و يوضح لنا خلف اللّه السبب في اضطراره إلى القول بأن هذه القصة تصوّر المعارف التاريخية و الكونية عند أهل الكتاب و المشركين المعاصرين للنبي عليه السلام.
السبب هو تاريخ المسألة في حياة النبي و موقف المشركين و اليهود منه و توجيههم الأسئلة إليه بشرط أن تكون الإجابة (عليها) كما يعرفون. و في رأينا أن تعليل خلف اللّه يشوبه