الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٩٠ - الأدب و التاريخ
و سادسها: أنه إن كان القذف لأجل النبوّة فلم دام بعد وفاة الرسول عليه الصلاة و السلام؟
و سابعها: أن هذه الرجوم إنما تحدث بالقرب من الأرض بدليل أنّا نشاهد حركتها بالعين و لو كانت قريبة من الفلك لما شاهدنا حركتها كما لم نشاهد حركات الكواكب و إذا ثبت أن هذه الشهب إنما تحدث بالقرب من الأرض فكيف يقال إنها تمنع الشياطين من الوصول إلى الفلك؟
و ثامنها: أن هؤلاء الشياطين لو كان يمكنهم أن ينقلوا أخبار الملائكة من المغيبات إلى الكهنة فلم لا ينقلون أسرار المؤمنين إلى الكفّار حتى يتوصل الكفّار بواسطة وقوفهم على أسرارهم إلى إلحاق الضرر بهم؟
و تاسعها: لم لم يمنعهم اللّه ابتداء من الصعود إلى السماء حتى لا يحتاج في دفعهم عن السماء إلى هذه الشهب؟ [١] .
و لو أن الرازي فطن من أول الأمر إلى أن القرآن إنما يحارب هذه العقيدة و يحاربها بأسلوبه الخاص القائم على فكرة التدرّج و أن هذا التدرّج يشبه تماما التدرّج في التشريع في مسألة محاربة الخمر و غيرها و أن النسخ في التشريع إنما يعلّل بهذه الفكرة. لو فطن الرازي إلى كل هذا لما أتعب نفسه و أتعب غيره في هذه الوقفات الطويلة و لقال بأن القرآن إنما يأخذ الناس بتصوّراتهم و أنه في هذا الموقف قد سلم بهذه العقيدة لا لأنها حق و صدق و إنما لأنه يريد أن يهدمها تدريجيا فيسلم بها أولا ثم يأخذ في هدمها مستعينا بالزمن.
أعتقد أن قد اتضح الآن أن القرآن كان يأخذ الناس بتصوّراتهم و يأخذهم بالعرف و العادة و أنه كان يفعل هنا ما كان يفعله في أمور التشريع من أخذ الناس بعاداتهم و من تغيير هذه العادات تدريجيا الأمر الذي من أجله كان النسخ في التشريع.
و أعتقد أن قد وضح أيضا أن القرآن قد قصّ في القصص التي كانت موطن الاختبار لمعرفة نبوّة النبي عليه السلام و صدق رسالته ما يعرفه أهل الكتاب عن التاريخ لا ما
[١] الرازي، جـ ٨، ص ١٨٣.