الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ١٩٣ - ٢-القصة التمثيلية
(د) قال تعالى وَ إِذْ قََالَ إِبْرََاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ اَلْمَوْتىََ قََالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قََالَ بَلىََ وَ لََكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قََالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ اَلطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اِجْعَلْ عَلىََ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ اُدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَ اِعْلَمْ أَنَّ اَللََّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [١] .
و جاء في الرازي ما يلي «المسألة الثانية: أجمع أهل التفسير على أن المراد بالآية قطعهن و أن إبراهيم قطع أعضاءها و لحومها و ريشها و دماءها و خلط بعضها على بعض غير أبي مسلم فإنه أنكر ذلك و قال إن إبراهيم عليه السلام لما طلب إحياء الميت من اللّه تعالى أراه اللّه تعالى مثالا قرب به الأمر عليه و المراد بصرهن إليك الإمالة و التمرين على الإجابة أي فعود الطير الأربعة أن تصير بحيث إذا دعوتها أجابتك و أتتك فإذا صارت كذلك فاجعل على كل جبل واحدا حال حياته ثم ادعهن يأتينك سعيا و الغرض منه ذكر مثال محسوس في عود الأرواح إلى الأجساد على سبيل السهولة» [٢] .
و أورد صاحب المنار هذا الرأي و علّق عليه بقوله: و جملة القول أن تفسير أبي مسلم للآية هو المتبادر الذي يدل عليه النظم و هو الذي يجلي الحقيقة في المسألة... و ما صرف جمهور المتقدمين عن هذا المعنى على وضوحه إلا الرواية بأنه جاء بأربعة طيور من جنس كذا و كذا و قطعها و فرّقها على جبال الدنيا ثم دعاها فطار كل جزء إلى مناسبه حتى كانت طيورا تسرع إليه فأرادوا تطبيق الكلام على هذا و لو بالتكلّف.
و أما المتأخرون فهمهم أن يكون في الكلام خصائص للأنبياء من الخوارق الكونية و إن كان المقام مقام العلم و البيان و الإخراج من الظلمات إلى النور و هو أكبر الآيات. و لكل أهل زمان غرام في شيء من الأشياء يتحكم في عقولهم و أفهامهم و الواجب على من يريد فهم كتاب اللّه أن يتجرّد من التأثّر بكل ما هو خارج عنه فإنه الحاكم على كل شيء و لا يحكم عليه شيء و للّه در أبي مسلم ما أدق فهمه و أشد استقلاله فيه [٣] .
(هـ) و قال تعالى وَ اُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ اِبْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبََا قُرْبََاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمََا وَ لَمْ
[١] سورة البقرة، الآية ٢٦٠.
[٢] التفسير الكبير، جـ ٢، ص ٣٣٢.
[٣] المنار، جـ ٣، ص ٥٨.