الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٣٣٩ - تطوّر الفن القصصي
و احتال يوسف عليهم مرة ثانية حين جعل السقاية في رحل أخيه و حين أذّن المؤذّن بأنهم سارقون، و حين سألهم عن جزاء السارق، فقد كان هذا الجزاء هو كل ما يطلب يوسف و ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء اللّه. و يحاول هؤلاء الإخوة دفع أحدهم مكان السارق و يأبى يوسف و يستعيذ باللّه أن يكون من الظالمين و يرحل الإخوة و يبقى كبيرهم فلن يبرح الأرض حتى يأذن له أبوه أو يحكم اللّه. و يطلب إليهم أن يخبروا أباهم بكل ما حدث، و أن يدفعوه إلى السؤال عن صحة الحادثة بسؤاله أهل القرية التي كانوا فيها، أو العير التي أقبلوا فيها، و هنا تعاود الرجل أفكاره السابقة و يخبرهم بأن قد سوّلت لهم أنفسهم أمرا؛ و يستسلم للقدر كما استسلم له أولا و يصبر ذلك الصبر الجميل الذي يحوطه الأمل بأن اللّه سيأتيه بهم جميعا.
و تغشى الرجل سحابة حزن قاتمة حتى ليكاد أن يكون من الهالكين. و تطوف بنفسه خواطر ملهمة فيدفع أبناءه إلى الذهاب للتحسّس من يوسف و أخيه و يطلب إليهم ألا ييأسوا من روح اللّه فإنه لا ييأس من روح اللّه إلا القوم الكافرون. و يذهب هؤلاء و يلتقون بيوسف للمرة الثالثة و هنا يعيد إلى أذهانهم ما ألمّ به من حيل المكر و الكيد، و يسألهم عن فعلتهم التي فعلوها و هم جاهلون. و يعرف القوم الحقيقة و يسألونه عن نفسه فيقدّم لهم نفسه و أخاه و ينبئهم بأن ذلك جزاء الصبر و التقوى و أن اللّه لا يضيع أجر المحسنين و يعترفون بالخطيئة و يعترفون له بالفضل و إيثار اللّه له عليهم. و يحس يوسف بما في أنفسهم من إحساس باللوم و التعنيف فيخفّف وقع ذلك عليهم فلا تثريب عليهم. اليوم يغفر اللّه لهم و هو أرحم الراحمين.
و يعود الإخوة بقميص يوسف و يلقونه على وجه أبيهم فيرتد إليه البصر و يقبل الأب و الأبناء و يستقبلهم يوسف استقبال الابن البار و الأخ العطوف و يفيض الحنان من قلبه، و تجري عبارات الشكر على لسانه و يذكّر أباه بما كان بينه و بينه من حديث فَلَمََّا دَخَلُوا عَلىََ يُوسُفَ آوىََ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَ قََالَ اُدْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شََاءَ اَللََّهُ آمِنِينَ*`وَ رَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى اَلْعَرْشِ وَ خَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَ قََالَ يََا أَبَتِ هََذََا تَأْوِيلُ رُءْيََايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهََا رَبِّي حَقًّا وَ قَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ اَلسِّجْنِ وَ جََاءَ بِكُمْ مِنَ اَلْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ اَلشَّيْطََانُ بَيْنِي وَ بَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي