الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ١٥٤ - (١) القصة التاريخية
الريح التي تنزع الناس و كأنهم أعجاز نخل منقعر.
فعل القرآن كل هذا لسبب بسيط هو أنه يريد في ذلك العهد أن يبث في نفوس المعاصرين للنبي صلّى اللّه عليه و سلّم الخوف من العذاب و يريد أن يريهم من الصور ما يجعل الخوف قويا عنيفا و من هنا اختار هذه الصورة و اكتفى بها حتى لا يشغل الذهن عنها بغيرها. و حرص القرآن على أن يكون العذاب و الخوف منه هو النتيجة التي يجب أن تقر في النفس و في الفؤاد و من هنا بدأ القصة بذلك الاستفهام الذي يصوّب إلى القلب السهام فَكَيْفَ كََانَ عَذََابِي وَ نُذُرِ ؟و ختمها أيضا بالاستفهام نفسه و كأنه يريد أن يصيب من الناس المقاتل.
و حرص القرآن في هذه السورة و بعد عرضه لكل قصة من قصصها أن يلفت أهل مكة إلى موقفهم من النبي و القرآن و إلى أن هذا الموقف فيه ما فيه وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا اَلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [١] .
فعل القرآن كل هذا لأن قصص هذه السورة لم تنزل إلا للإنذار و للتخويف من العذاب.
و على هذا فأنت ترى أن القرآن يختار من المواد الأدبية القصصية ما يحقق الغرض و يوفي بالقصد و أنه يعرض عما عداه من أحداث و أشخاص و تفصيلات. و من هنا لا نستطيع أن نقول بأن هذه القصة تقصد إلى تعليم الوقائع و التعريف بالتاريخ و إن كنا نستطيع أن نقول إنها قصة أدبية نزلت لقصد عاطفي هو التخويف و الإنذار.
و لقد فطن ابن الأثير إلى هذا الصنيع القصصي من القرآن و علله تعليلا أدبيا أو بلاغيا أو فنيا حين قال وَ لَقَدْ آتَيْنََا مُوسَى اَلْكِتََابَ وَ جَعَلْنََا مَعَهُ أَخََاهُ هََارُونَ وَزِيراً*`فَقُلْنَا اِذْهَبََا إِلَى اَلْقَوْمِ اَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا فَدَمَّرْنََاهُمْ تَدْمِيراً [٢] : «أ لا ترى كيف حذف جواب الأمر في هذه الآية فإن تقديره فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فذهبا إليهم فكذبوهما
[١] سورة القمر، الآية ١٧.
[٢] سورة الفرقان، الآيتان ٣٥-٣٦.