الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٢٧٥ - البيئة العربية
الاستعارة و الكناية و التشبيه أما المنطقيون فإنما يعتبرون اللزوم العقلي [١] . و جاء في كتاب الإيضاح ما يلي: و لا يشترط مما يثبته اعتقاد المخاطب إما لعرف أو لغيره [٢] .
و ها هم القدماء كما ترى يجعلون لاعتقاد المخاطب أثره في بناء الجمل الأدبية و يقولون في غير تحرّج إن القرآن كان يجيء على ما يعتقد الجاهليون و ما يزعمون. و هو قول يشعرنا بأن ما في الأقاصيص القرآنية من أحداث و أخبار لا يلزم أن يكون هو التاريخ ذلك لأن القرآن الكريم قد يكتفي بما تزعمه العرب و ما تعتقده في صوره البيانية المعجزة و ليس يخفى أن القصة صورة من صور البيان العربي و أن القرآن الكريم قد اكتفى في قصص أصحاب الكهف و ذي القرنين بما كان يعتقده المخاطبون. و من هنا لا يصح لمعترض أن يعترض على أن في الأقاصيص القرآنية مخالفات للحق و الواقع أو مخالفات للتاريخ.
إن اختيار القرآن لبعض الرسل دون بعض، و إطالته الحديث عن بعض الرسل دون بعض، و تأخيره تصوير بعض الأحداث من حياة الرسول و تعجيله بتصوير بعض، و اختياره لغة المرسل إليهم لتكون لغة الوحي و الرسالة. إن هذا كله هو الدليل على أن القرآن لم يقصد قصصه إلى التاريخ.
و إن الصنيع البلاغي للقرآن الذي يقوم على تخليص العناصر القصصية من أحداث و أشخاص و أخبار من معانيها التاريخية و جعلها صالحة كل الصلاحية لاستثارة العواطف و الانفعالات حتى تكون العظة و العبرة، و تكون البشارة و الإنذار، و تكون الهداية و الإرشاد، و يكون الدفاع عن الدعوة الإسلامية و التمكين لها حتى في نفوس المعارضة. إن هذا كله لهو الدليل القوي على أن القرآن الكريم لا يطلب منا الإيمان برأي معين في هذه المسائل التاريخية. و من هنا يصبح من حقنا أو من حق القرآن علينا أن نفسح المجال أمام العقل البشري ليبحث و يدقّق و ليس عليه من بأس في أن ينتهي من هذه البحوث إلى ما يخالف هذه المسائل، و لن تكون مخالفة لما أراده اللّه أو لما قصد إليه القرآن لأن اللّه لم يرد تعليمنا
[١] شروح التخليص، جـ ٣، ص ١٧٣.
[٢] المصدر السابق، جـ ٣، ص ٣٧٢.
غ