الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٢٣٠ - المقاصد و الأغراض
كان أثر هذه الأقوال في نفس النبي قويا و فعالا و كانت تلك الخواطر التي أخذت مكانها من قلب النبي عليه السلام أو من قلوب الأتباع. قال تعالى فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمََّا أَنْزَلْنََا إِلَيْكَ فَسْئَلِ اَلَّذِينَ يَقْرَؤُنَ اَلْكِتََابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جََاءَكَ اَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلاََ تَكُونَنَّ مِنَ اَلمُمْتَرِينَ [١] .
على أن هذا الضغط العاطفي لم يقف عند حد البلبلة النفسية بل تجاوزها إلى ما هو أبعد مدى و أنفذ أثرا حتى لنرى النبي عليه السلام يدعو ربه و هو محنق يكظم غيظه و يضغط عواطفه تلك التي أوشكت على الانفجار. قال تعالى فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَ لاََ تَكُنْ كَصََاحِبِ اَلْحُوتِ إِذْ نََادىََ وَ هُوَ مَكْظُومٌ*`لَوْ لاََ أَنْ تَدََارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرََاءِ وَ هُوَ مَذْمُومٌ [٢] و قال تعالى لَعَلَّكَ بََاخِعٌ نَفْسَكَ أَلاََّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [٣] و قال فَلَعَلَّكَ تََارِكٌ بَعْضَ مََا يُوحىََ إِلَيْكَ وَ ضََائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْ لاََ أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جََاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمََا أَنْتَ نَذِيرٌ وَ اَللََّهُ عَلىََ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [٤] .
كان تخفيف هذا الضغط أو كانت الإفاضة عما بنفس النبي عليه السلام و نفوس الأنصار و الأتباع مقصدا من مقاصد القصص القرآني حتى لا تتزلزل النفوس و تترك الدعوة الإسلامية و لو حدث هذا لما قامت لها قائمة.
كانت عملية القص في مثل هذه الظروف من العمليات التي يقصد من ورائها القرآن تثبيت قلب النبي عليه السلام و قلوب المؤمنين ورد الثقة إلى أنفسهم و بث الطمأنينة في قلوبهم و إزالة الهم و القلق. و كانت النتيجة التالية لكل هذا هي ذلك الصبر الطويل و الثبات الذي وصل بهم في النهاية إلى النصر على الأعداء و المعارضين.
على أن القرآن نفسه قد صرّح بهذا الغرض حين قال وَ كُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبََاءِ
[١] سورة يونس، الآية ٩٤.
[٢] سورة القلم، الآيتان ٤٨-٤٩.
[٣] سورة الشعراء، الآية ٣.
[٤] سورة هود، الآية ١٢.