الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٢٣٥ - المقاصد و الأغراض
هذه الأمور بالذات هي التي دفعت بالرازي إلى الحيرة و جعلته عاجزا عن فهم الصنيع الأدبي و المقصد القرآني و الوقوف على أسرار ما دار هناك و كانت نتيجته إخراج آدم و حواء من الجنان.
يقول رحمه اللّه عند تفسيره للقصة من سورة الأعراف ما يلي: السؤال الثاني أن آدم عليه السلام كان يعرف ما بينه و بين إبليس من العداوة فكيف قبل قوله.
و الجواب لا يبعد أن يقال إن إبليس لقي آدم مرارا كثيرة و رغّبه في أكل الشجرة بطرق كثيرة فلأجل المواظبة و المداومة على هذا التمويه أثّر كلامه في آدم عليه السلام. إذ نلحظ في هذا الموقف من الرازي أنه لا يطمئن إلى قصة دخول إبليس الجنة بعد طرده منها. كما نلحظ أن عقله لم يقبل أيضا قصة الحية و لذا نراه رحمه اللّه يفترض أن إبليس قد لقي آدم مرارا و تحدّث إليه.
على أنّا نجد الرازي في موقف آخر يعجب كثيرا من موقف آدم و استجابته لدعوة إبليس و إهماله لتعاليم ربه و ذلك عند تفسيره للقصة من سورة طه إذ نراه يقول: و اعلم أن واقعة آدم عجيبة و ذلك لأن اللّه تعالى رغّبه في دوام الراحة و انتظام المعيشة بقوله فَلاََ يُخْرِجَنَّكُمََا مِنَ اَلْجَنَّةِ فَتَشْقىََ*`إِنَّ لَكَ أَلاََّ تَجُوعَ فِيهََا وَ لاََ تَعْرىََ*`وَ أَنَّكَ لاََ تَظْمَؤُا فِيهََا وَ لاََ تَضْحىََ [١] . و رغّبه إبليس أيضا في دوام الراحة بقوله هَلْ أَدُلُّكَ عَلىََ شَجَرَةِ اَلْخُلْدِ [٢] و في انتظام المعيشة بقوله وَ مُلْكٍ لاََ يَبْلىََ [٣] فكان الشيء الذي رغّب اللّه آدم فيه هو الذي رغّبه إبليس فيه إلا أن اللّه تعالى وقف ذلك على الاحتراس عن تلك الشجرة و إبليس وقفه على الإقدام عليها. ثم إن آدم عليه السلام مع كمال عقله و علمه بأن إبليس عدوه حيث امتنع عن السجود له و عرض نفسه للّعنة بسبب عداوته كيف قبل في الواقعة الواحدة و المقصود الواحد قول إبليس مع علمه بكمال عنوانه له و أعرض عن قول اللّه تعالى مع علمه بأنه الناصر و المربي.
[١] سورة طه، الآيات ١١٧-١١٩.
[٢] نفس السورة، الآية ١٢٠.
[٣] نفس السورة و الآية.