الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٢٣٣ - المقاصد و الأغراض
فهنا قصة لها قيمتها الأدبية و لو حاول النبي عليه السلام تصوير حاله في قصة لما صوّرها بقصة أحسن مما اختار له الخالق سبحانه.
و التشابه هنا تام بين حالة نوح في القصة و حالة محمد صلّى اللّه عليه و سلّم، نلحظه في عناصر الدعوة من عبادة اللّه و طاعته كما نلحظه في طريقة الدعوة من حيث الجهر و الإسرار. و في مقابلة القوم لنبي اللّه و دعوته بالنفور و الفرار ثم بالاستكبار و جعل الأصابع في الآذان. ثم في الأشياء التي رغب بها في الإيمان من الإمداد بالمال و البنين و الأنهار و الجنات. ثم في الأشياء التي تلفتهم إلى عظمة الخالق سبحانه و تعالى من خلقهم أطوارا و من خلق السموات السبع الطباق و من جعل القمر نورا و الشمس سراجا و من إنباتهم من الأرض و جعلها بساطا ليسلكوا فيها سبلا فجاجا. ثم في مناجاته لربه تلك المناجاة التي يخبره فيها أنهم اتّبعوا الأغنياء و من لم يزدهم مالهم و ولدهم إلا خسارا. ثم في تصويره لمكر هؤلاء الأغنياء أو القادة حين طلبوا من قومهم البقاء على ما هم عليه من عبادة للأوثان.
و هنا لا بد من لفت الذهن إلى أن الأوثان هنا هي بعينها تلك التي كانت تعبد في الجزيرة العربية أول عهد الجزيرة بالبعثة و بمحمد عليه السلام هود، سواع، يغوث، يعوق، نسر.
و أخيرا يكون التشابه أيضا في اتجاهه نحو ربه و دعائه على الكفرة من قومه و طلبه من المولى سبحانه و تعالى أن يستأصل شأفتهم حتى ينجو العالم من شرورهم و آثامهم و حتى لا يبقى إلا من دخل بيته من أهل التقوى و الإيمان.
و نعتقد أن هذه القصد من القصص التي كان النبي عليه السلام يجد فيها صدى نفسه و أنها من هذا الجانب كفيلة بأن تزيح عن كاهله بعض الأثقال و أن تزيل عن نفسه بعض الألم و أن ترد إلى نفسه الثقة و الطمأنينة حين يرى أنه ليس الواحد الفرد في هذا الميدان.
(٢) و يجري مع عملية تخفيف الضغط العاطفي عملية أخرى لا تقل عنها أثرا في حياة الدعوة الإسلامية تلك هي عملية توجيه العواطف القوية الصادقة نحو عقائد الدين