الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٥٣ - المعاني التاريخية
اَلْعُمُرُ وَ مََا كُنْتَ ثََاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيََاتِنََا وَ لََكِنََّا كُنََّا مُرْسِلِينَ*`وَ مََا كُنْتَ بِجََانِبِ اَلطُّورِ إِذْ نََادَيْنََا وَ لََكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً مََا أَتََاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [١] . و قال في ختامه لقصة نوح تِلْكَ مِنْ أَنْبََاءِ اَلْغَيْبِ نُوحِيهََا إِلَيْكَ مََا كُنْتَ تَعْلَمُهََا أَنْتَ وَ لاََ قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هََذََا فَاصْبِرْ إِنَّ اَلْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [٢] .
و الظاهرة التي يحسن بنا الالتفات إليها في هذا المقام هي أن القرآن حين جعل هذه الأخبار من آيات النبوة و علامات الرسالة جعلها أيضا مطابقة لما في الكتب السابقة أو لما يعرفه أهل الكتاب من أخبار حتى ليخيّل إلينا أن مقياس صدقها و صحّتها من الوجهة التاريخية و من وجهة دلالتها على النبوة و الرسالة أن تكون مطابقة لما يعرفه أهل الكتاب من أخبار. قال تعالى بعد ذكره لقصة يوسف لَقَدْ كََانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي اَلْأَلْبََابِ مََا كََانَ حَدِيثاً يُفْتَرىََ وَ لََكِنْ تَصْدِيقَ اَلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَ تَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [٣] . و قال تعالى بعد ذكره لقصة موسى و فرعون فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمََّا أَنْزَلْنََا إِلَيْكَ فَسْئَلِ اَلَّذِينَ يَقْرَؤُنَ اَلْكِتََابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جََاءَكَ اَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلاََ تَكُونَنَّ مِنَ اَلمُمْتَرِينَ [٤] .
و اعتماد القرآن على هذا الرأي الديني اليهودي أو على هذا المقياس خلف في الجو في عصر النبوة و ما تلاه رأيين مختلفين:
(أ) الرأي الأول رأي المشركين و الكفار من أهل مكة فإن هؤلاء مع معرفتهم لهذا المقياس من طريق وفدهم إلى أحبار اليهود بالمدينة لم يستطيعوا التسليم بما ترتّب عليه من نتائج فلم يؤمنوا بصدق النبي عليه السلام أو بصحة رسالته اعتمادا على هذه الأخبار الواردة بالقصص القرآني و ليس يرجع ذلك إلى أن هذه الأخبار لا تتفق و معارفهم التاريخية فيظهر أنها كانت تتفق و ما يعرفون أو تجري و هذه المعرفة في نسق. و إنما يرجع ذلك فيما
[١] سورة القصص، الآيات ٤٤-٤٦.
[٢] سورة هود، الآية ٤٩.
[٣] سورة يوسف، الآية ١١١.
[٤] سورة يونس، الآية ٩٤.