الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٢٦٤ - البيئة العربية
لأن القصة لا تفهم على أساس فهم المعاني الأولى التي تعبّر عنها الألفاظ و الأحداث و الأشخاص أو بعبارة أخرى على أساس الفهم الجزئي و إنما تفهم القصة كما يفهم كل عمل أدبي و كل أداة للتعبير أو التأثير و هذه الطريقة في الفهم هي التي أشرنا إليها في التمهيد حين فرّقنا بين نوعين من الفهم فهم حرفي يقوم على الوقوف على المعاني الأولى للألفاظ و الأحداث و الأشخاص. و فهم أدبي يقوم على الوقوف على ما في النص من قيم عاطفية و فنية أو باصطلاح القدماء الوقوف على المعاني الثانية بما تسمح له الدراسة الأدبية من تفسير و توضيح.
لنعد الآن إلى القصتين لنرى الفروق بين المقصدين في كل من سورتي الحجر و الأعراف و لنعلّل بذلك سر الاختلاف بين موقفي إبليس في القصتين.
إن القصة في سورة الأعراف إنما جاءت لتقص مبدأ العداوة بين إبليس و آدم و لتصل من ذلك إلى نتيجة أدبية هي ما قصد إليه القرآن من جميع قصص سورة الأعراف و هو أن يدفع المشركين إلى تعديل موقفهم من النبي عليه السلام و من هنا كان قوله تعالى في ختام هذه الأقاصيص وَ اُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ اَلَّذِي آتَيْنََاهُ آيََاتِنََا فَانْسَلَخَ مِنْهََا فَأَتْبَعَهُ اَلشَّيْطََانُ فَكََانَ مِنَ اَلْغََاوِينَ*`وَ لَوْ شِئْنََا لَرَفَعْنََاهُ بِهََا وَ لََكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى اَلْأَرْضِ وَ اِتَّبَعَ هَوََاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ اَلْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذََلِكَ مَثَلُ اَلْقَوْمِ اَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا فَاقْصُصِ اَلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ*`سََاءَ مَثَلاً اَلْقَوْمُ اَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا وَ أَنْفُسَهُمْ كََانُوا يَظْلِمُونَ [١] .
كما قال في ختام قصة إبليس و آدم يََا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنََا عَلَيْكُمْ لِبََاساً يُوََارِي سَوْآتِكُمْ وَ رِيشاً وَ لِبََاسُ اَلتَّقْوىََ ذََلِكَ خَيْرٌ ذََلِكَ مِنْ آيََاتِ اَللََّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ*`يََا بَنِي آدَمَ لاََ يَفْتِنَنَّكُمُ اَلشَّيْطََانُ كَمََا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ اَلْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمََا لِبََاسَهُمََا لِيُرِيَهُمََا سَوْآتِهِمََا إِنَّهُ يَرََاكُمْ هُوَ وَ قَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاََ تَرَوْنَهُمْ إِنََّا جَعَلْنَا اَلشَّيََاطِينَ أَوْلِيََاءَ لِلَّذِينَ لاََ يُؤْمِنُونَ [٢] .
أما القصة في سورة الحجر فقد قصت هذه العداوة و هي تقصد إلى شيء آخر هو أن تذهب عن نفس النبي عليه السلام الهم و القلق الذي يساوره من أجل الدعوة و عدم
[١] سورة الأعراف، الآيات ١٧٥-١٧٧.
[٢] نفس السورة، الآيتان ٢٦-٢٧.