الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ١٢١ - (٣) نفس المؤمن لا تطيق المخالف
لا يسأل قومه أجرا على الهداية وَ مََا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاََّ عَلىََ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ [١] . و موسى و هارون يقفان موقفا يتصوّرانه القتل في سبيل إخراج قومهم من مصر و تخليصهم من فرعون و ما يلحقه بهم من ذل و هوان. اِذْهَبْ أَنْتَ وَ أَخُوكَ بِآيََاتِي وَ لاََ تَنِيََا فِي ذِكْرِي*`اِذْهَبََا إِلىََ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغىََ*`فَقُولاََ لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشىََ*`قََالاََ رَبَّنََا إِنَّنََا نَخََافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنََا أَوْ أَنْ يَطْغىََ*`قََالَ لاََ تَخََافََا إِنَّنِي مَعَكُمََا أَسْمَعُ وَ أَرىََ*`فَأْتِيََاهُ فَقُولاََ إِنََّا رَسُولاََ رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنََا بَنِي إِسْرََائِيلَ وَ لاََ تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنََاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَ اَلسَّلاََمُ عَلىََ مَنِ اِتَّبَعَ اَلْهُدىََ [٢] . و هكذا سبيل المرسلين.
و هذه الصلة نفسها تؤثر في نفس الجماعة فلا تعجل العقوبة لواحد منها و ابن من أبنائها و هي لا تصدق أولا شذوذه عنها أو خروجه عليها بل ترى به جنونا أو تعتقد أن الآلهة قد اعترته بسوء إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اِعْتَرََاكَ بَعْضُ آلِهَتِنََا بِسُوءٍ [٣] و لذا قد تلتمس له الطب و العلاج فإذا خاب ظنها أو فأل رأيها رمته بالسفه أو رأته في ضلال و لذا قد تلتمس العلاج عند أقاربه و تبقي عليه لمكانة رهطه و عشيرته قََالُوا يََا شُعَيْبُ مََا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمََّا تَقُولُ وَ إِنََّا لَنَرََاكَ فِينََا ضَعِيفاً وَ لَوْ لاََ رَهْطُكَ لَرَجَمْنََاكَ [٤] و هكذا تتدرّج من لين إلى شدة حتى يكون الاقتتال.
و هكذا تكون هذه الصلة بين البطل و البيئة وسيلة فعالة في سبيل إنجاح الدعوات و إن كنا نلحظ أنها تكون في النهاية عقبة في سبيل انتشار الأديان و لعل هذا هو السبب الذي من أجله حاربها القرآن فنحن نلحظ أنه في النهاية جعل العاطفة الدينية فوق عاطفة القرابات فنهاهم عن مودة أقربائهم إذا كان ذلك على حساب دين اللّه و طلب إليهم أن يتخذوا من إبراهيم الأسوة الحسنة في هذا الميدان يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَ عَدُوَّكُمْ أَوْلِيََاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَ قَدْ كَفَرُوا بِمََا جََاءَكُمْ مِنَ اَلْحَقِّ يُخْرِجُونَ اَلرَّسُولَ وَ إِيََّاكُمْ
[١] سورة الشعراء، الآية ١٠٩ و عدة آيات أخرى بعدها.
[٢] سورة طه، الآيات ٤٢-٤٧.
[٣] سورة هود، الآية ٥٤.
[٤] نفس السورة، الآية ٩١.