الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٢٦٥ - البيئة العربية
نجاحها و الذي يدفعه إلى نفسه موقف القوم منه و استهزاؤهم به. و هذا هو الذي تقصد إليه قصص هذه السورة و هو الذي يتضح من قوله تعالى في ختام السورة فَاصْدَعْ بِمََا تُؤْمَرُ وَ أَعْرِضْ عَنِ اَلْمُشْرِكِينَ*`إِنََّا كَفَيْنََاكَ اَلْمُسْتَهْزِئِينَ*`اَلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اَللََّهِ إِلََهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ*`وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمََا يَقُولُونَ*`فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ كُنْ مِنَ اَلسََّاجِدِينَ*`وَ اُعْبُدْ رَبَّكَ حَتََّى يَأْتِيَكَ اَلْيَقِينُ [١] .
كما يتضح من قوله تعالى في أول السورة وَ قََالُوا يََا أَيُّهَا اَلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ اَلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ*`لَوْ مََا تَأْتِينََا بِالْمَلاََئِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ اَلصََّادِقِينَ*`مََا نُنَزِّلُ اَلْمَلاََئِكَةَ إِلاََّ بِالْحَقِّ وَ مََا كََانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ*`إِنََّا نَحْنُ نَزَّلْنَا اَلذِّكْرَ وَ إِنََّا لَهُ لَحََافِظُونَ*`وَ لَقَدْ أَرْسَلْنََا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ اَلْأَوَّلِينَ*`وَ مََا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاََّ كََانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ [٢] .
و إذا كان القصد من قصص الأعراف تعديل موقف المشركين فقد كان أسلوب القرآن في القصص و طريقته في العرض أن يريهم النتائج ممثّلة في أحداث و يريهم صنيع اللّه بالمستكبرين و صنيعه مع المؤمنين المستضعفين و أن يختار من المواد ما يمثل رحمته بقوم و عذابه بآخرين. و من هنا كان النصح و الإرشاد في ختام قصص السورة كلها. و من هنا أيضا كانت رحمته سبحانه تظلّل الأشخاص القصصية حتى الكفرة و المشركين و حتى إبليس نفسه فقد كانت المحاورة أقل عنفا و كان السؤال أقل قسوة و تهكّما.
و إذا كان القصد من قصص سورة الحجر هو الإفاضة عما بنفس محمد عليه السلام من قلق ليهدأ أو يستقر و كان هذا القلق مسبّبا عن موقف قومه منه و استهزائهم به فقد كانت الصور ناطقة بالقسوة و لعله من هنا لم يعرض القرآن لأحوال المؤمنين و لعله من هنا أيضا كانت المحاورة قاسية عنيفة مع إبليس فقال اللّه تعالى فَاخْرُجْ مِنْهََا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ* `وَ إِنَّ عَلَيْكَ اَللَّعْنَةَ إِلىََ يَوْمِ اَلدِّينِ [٣] . و كان هذا التهديد و الوعيد في ختام القصة وَ إِنَّ
[١] سورة الحجر، الآيات ٩٤-٩٩.
[٢] نفس السورة، الآيات ٦-١١.
[٣] نفس السورة، الآيتان ٣٤-٣٥.