الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٢٥٣ - البيئة العربية
تَغْلِبُونَ [١] عمدنا إلى الصبر و الدفاع عن الحقيقة الدينية و اللّه يرعانا بفضله لأنه القائل:
إِنََّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنََا وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا وَ يَوْمَ يَقُومُ اَلْأَشْهََادُ*`يَوْمَ لاََ يَنْفَعُ اَلظََّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَ لَهُمُ اَللَّعْنَةُ وَ لَهُمْ سُوءُ اَلدََّارِ [٢] .
و الخطورة الثانية لا تلبث أن تزول حين نبيّن للناس حقيقة ما أنزل اللّه و حين نؤكد للمبشّرين و المستشرقين أنهم أقاموا موازناتهم على أساس لم يقصد إليه القرآن الكريم و لم يجعله غرضا من أغراضه و أنه حين ذهبوا إلى ما ذهبوا إليه قد تحكّموا في الوسائل و في النتائج العلمية لأن المخالفات التاريخية على فرض وجودها لا يمكن أن تكون الدليل على أن القرآن من عند محمد لم يجئه به الوحي و لم ينزل عليه من السماء.
إن موازنات المستشرقين و المبشّرين بين ما جاء في القصص القرآني من أخبار و ما جاء منها في التوراة و الإنجيل و غيرهما من كتب الأخبار و التاريخ يجب ألا تتم و يجب ألا تكون حتى يثبت قطعا أن القرآن الكريم قد قصد من عرض هذه الأخبار معانيها التاريخية و أنه اختار ما اختار من الأشخاص و الأحداث و الحوار على أساس أن هذا هو الحق و أنه الذي يتمشى مع المنطق التاريخي. أما إذا كان قصد القرآن من قصصه ليس نشر الوثائق التاريخية و ليس تعليم التاريخ فإن صنيع المستشرقين و المبشّرين يصبح لا قيمة له و لا خطر منه.
و المسألة الأولى من مسائل هذا الفصل هي أن القرآن الكريم في قصصه لم يسلك مسلك التوراة فلم يقص أخبار الأنبياء و المرسلين كما قصّت هي و إنما اختار بعضهم ليقص قصصهم و أعرض عن الباقي وَ رُسُلاً قَدْ قَصَصْنََاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَ رُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ [٣] و هو حين اختار لم يعمد إلى أخبار هؤلاء جميعها و إنما اختار من هذه الأخبار ما يتفق و حالة الدعوة الإسلامية و موقف النبي من قومه و من هنا لم يكن ذلك التفصيل الموجود في التوراة. ثم إن القرآن الكريم لم يعمد إلى الزمن فيجعله العامل الأساسي في ترتيب هذه القصص كما عمدت التوراة. إن كل ذلك إنما يدل على الفارق الأكبر بين قصص القرآن الكريم و بين قصص التوراة و هو أنها قد قصدت إلى التاريخ أما هو فلم يقصد
[١] سورة فصلت، الآية ٢٦.
[٢] سورة غافر، الآيتان ٥١-٥٢.
[٣] سورة النساء، الآية ١٦٤.