الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٣٣٥ - تطوّر الفن القصصي
رابعا-يكاد قارئ القصة في هذا الطور يشعر بأن هناك شخصية مختفية وراء هذه الأسماء المبهمة العامة، و أن الموضوعات التي يدور حولها الحوار هي الموضوعات التي تعنى بها هذه الشخصية. و ذلك أمر سنشرحه في الفصل التالي عند حديثنا عن القصص و نفسية الرسول.
بعد ذلك أو في أثنائه يألم النبي عليه السلام، و يحس بضيق شديد من جراء تلك العداوة التي قد تؤدي إلى التهديد بالنفي و الإخراج من الأرض أو الاغتيال و التقتيل، و ينزل القرآن ليصوّر هذه الأحوال و يذهب عن نفس النبي ما ألمّ بها من ضيق، و يمثّل هذا اللون من القصص قصص سور هود و طه و القصص و الأنبياء و يوسف.
و يلاحظ في هذا الطور أن الشخصية القصصية بدأت تتميز بعواطفها الخاصة و أحداثها التاريخية، و أن البناء القصصي قد بدأ يتكامل، و أن الحوار قد استقر و ظهرت آثاره الفنية لا في توضيح الفكرة فحسب، بل بما تستثيره الأفكار من عواطف و انفعالات تؤثر في مجرى الأحداث و حياة الأشخاص. و أعتقد أن خير قصة يجب أن نقف عندها لنحلّلها، و نبيّن ما فيها من عناصر قصصية و ظواهر فنية هي قصة يوسف.
و قصة يوسف قصة إنسانية، تلعب فيها العواطف البشرية الدور الأول فتؤثر في سير الأشخاص و توجّههم نحو الخير أو نحو الشر في حياتهم، ثم هي قصة رحبة واسعة تتعدّد فيها الشخصيات و تتلوّن الأحداث، و يجري فيها الحوار هينا لينا رقيقا، و تتوزّع فيها العناصر التوزيع الذي يتطلّبه الفن القصصي، فهي موزّعة بمقدار، تظهر و تختفي حسب الظروف الطبيعية و حسب ما يحيط بالأبطال من أحداث.
ثم هي، من حيث البناء القصصي، أجود قصة في القرآن. و لعله من أجل هذا عدّها القرآن من أحسن القصص حين قال: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ اَلْقَصَصِ بِمََا أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ هََذَا اَلْقُرْآنَ وَ إِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ اَلْغََافِلِينَ [١] .
تبدأ القصة بتمهيد هو رؤيا يوسف: إِذْ قََالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يََا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ
[١] سورة يوسف، الآية ٣.