الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ١٧١ - (١) القصة التاريخية
لقد تقرّر أن القرآن إنساني العبارة بشري الأسلوب جاء على سنن العرب في بلاغتها و بيانها فهل بعد ذلك كله يأتي من يقول إن القرآن لا يفهم على هذه القواعد أو تلك الأساليب؟
و نحب هنا أن نلفت الذهن إلى أن الزمخشري قد أبعد حين أدخل قوله تعالى فَإِذََا هِيَ ثُعْبََانٌ مُبِينٌ [١] في الموضوع. ذلك لأن هذه عنصر آخر فهي تصوّر موقفا غير ذلك الذي يصوّر في الموقفين السابقين. فمسألة انقلاب العصا ثعبانا كانت بمحضر من فرعون حين طلب البينة من موسى. و مسألة انقلابها حية أو اهتزازها كالجان كانت بين يدي الخالق سبحانه و تعالى و حدثت حين رأى موسى النار بعد إذ سار بأهله و هذا يجعل المسألة قابلة للاختلاف في التصوير:
و قد أبعد صاحب الكشاف أيضا فيما ذهب إليه من رأى ذلك لأن اختيار الألفاظ لا يقوم إلا على اعتبار بلاغي عاطفي و من هنا لم يحل الرأي الذي ذهب إليه المشكلة إذ يبقى بعد ذلك-على فرض الترادف-سؤال ما السر البلاغي في اختيار هذا اللفظ هنا و ذلك اللفظ هناك؟
إن الرأي فيما أعتقد هو أن الصورة التي يرسمها القرآن من سورة القصص صورة يشيع فيها الخوف من كل جانب و هو خوف قاتل و قد كان اللفظ الذي يلائم هذا الخوف و يجعل موسى يفر من الميدان هو أن يحضر اللفظ في الذهن صورة لشيء مخيف مرعب و من هنا جاء لفظ الجان و فرق كبير بين الحية و بين الجان: إن الأولى لا تدفع الإنسان إلى أن يولي مدبرا حتما و إن الذي يدفع إلى ذلك حتما هو الجان.
أما قصة طه فقد نزلت تسلية للنبي عليه السلام و تسرية عنه و إزالة لما بنفسه من هم و قلق و من هنا قال تعالى في أول السورة طه*`مََا أَنْزَلْنََا عَلَيْكَ اَلْقُرْآنَ لِتَشْقىََ [٢] و لذا كان عرض المسائل في هذه القصة عرضا هينا لينا يدفع إلى النفس الثقة و الطمأنينة و يدفع عنها الهم و الحزن و من هنا كانت لفظة الحية أليق بالمقام.
[١] سورة الشعراء، الآية ٣٢.
[٢] سورة طه، الآيتان ١-٢.