الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ١٠٨ - (٢) الانقسام
و من هنا يتطيّرون بالدعاة و يتشاءمون منهم قََالُوا اِطَّيَّرْنََا بِكَ وَ بِمَنْ مَعَكَ قََالَ طََائِرُكُمْ عِنْدَ اَللََّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ [١] . و يعتقدون أن الرسل من الذين يفسدون في الأرض و لا يصلحون وَ قََالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسىََ وَ لْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخََافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي اَلْأَرْضِ اَلْفَسََادَ [٢] .
و الفقر لا يدفع إلى الحرص على شيء فلا مال و لا جاه و لا نفوذ و لا سلطان و الفقر لا يؤدي إلى الاستقرار و إذا فلا خضوع إلى رأي بعينه و لا استقرار للتقاليد و العادات و بالجملة فالفقراء في حالة لا يحسدون عليها و لن تطلب منهم أكثر من حمد اللّه الذي لا يحمد على مكروه سواه.
(ب) الحالة الثقافية و الفكرية: إن تهيئة الأذهان لموضوع الدعوة أو المبادئ الجديدة له قيمته الفعّالة في قبول هذه الأشياء كما أن ترك النفوس غفلا و الأذهان خلاء هو الذي يدفع إلى إنكار هذه المبادئ و الآراء و هذا الأمر هو الذي أشار إليه القرآن حين قال تَنْزِيلَ اَلْعَزِيزِ اَلرَّحِيمِ*`لِتُنْذِرَ قَوْماً مََا أُنْذِرَ آبََاؤُهُمْ فَهُمْ غََافِلُونَ*`لَقَدْ حَقَّ اَلْقَوْلُ عَلىََ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاََ يُؤْمِنُونَ*`إِنََّا جَعَلْنََا فِي أَعْنََاقِهِمْ أَغْلاََلاً فَهِيَ إِلَى اَلْأَذْقََانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ* `وَ جَعَلْنََا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنََاهُمْ فَهُمْ لاََ يُبْصِرُونَ*`وَ سَوََاءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاََ يُؤْمِنُونَ*`إِنَّمََا تُنْذِرُ مَنِ اِتَّبَعَ اَلذِّكْرَ وَ خَشِيَ اَلرَّحْمََنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَ أَجْرٍ كَرِيمٍ [٣] . إذ الواضح من هذا النص أن الذين سيتبعونه إنما هم الذين استعدّت نفوسهم و تهيّأت عقولهم أما أولئك الذين لم تأتهم النذر أو لم تنزل عليهم الكتب فهم أبعد الناس عن الإيمان و التصديق.
و ليس الأمر في هذه المسألة خاصا بمن خشي الرحمن بالغيب بل هو خاص بالاستعداد أيا كان هذا الاستعداد و لذا نرى المشركين تصغي أفئدتهم لما تهيّأت له عقولهم و ذلك واضح من قوله وَ كَذََلِكَ جَعَلْنََا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيََاطِينَ اَلْإِنْسِ وَ اَلْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ
[١] سورة النمل، الآية ٤٧.
[٢] سورة غافر، الآية ٢٦.
[٣] سورة يس، الآيات ٥-١١.