الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٣٤٧
غير أننا يجب أن نأخذ حذرنا و نحتاط و أن نتذكر ما قلناه سابقا من أن الفروق المميزة لشخصيات الرسل في القرآن تقوم أول ما تقوم على هذه الأحداث المعروضة لكل واحد من هؤلاء. فتقوم مثلا على حادثة إلقاء إبراهيم في النار أو التقام الحوت ليونس، أو إبراء الأكمه و الأبرص و إحياء الموتى بالنسبة لعيسى عليه السلام كما تقوم على فرق البحر بالنسبة لموسى و حادث الطوفان بالنسبة لنوح و الناقة بالنسبة لصالح و معنى ذلك أيضا أنه يجب علينا أن نعرّي هذا القصص القرآني من تلك الوقائع الخاصة إذا أردنا أن تبقى لنا الوقائع العامة التي قد تتكرّر في أكثر من قصة و لأكثر من مناسبة لأنها التي اختيرت أكثر من مرة، و من هذا الباقي نستطيع أن نلمس صورة تلك النفسية التي عقدنا من أجلها لهذا الفصل و هي نفسية محمد عليه السلام، و لكن ليس معنى هذا أن تلك الوقائع الخاصة لا قيمة لها فذلك أمر لا أستطيع القول به، ذلك لأني لا أستطيع أن أنكر قيمة هذه الأحداث من حيث عملية الإفاضة أو الإيحاء، ثم هي تدل على ما كان يعانيه الواحد من الرسل من ألم أو شقاء. لكن هذه القيمة تقف عند هذه الدلالة و عند عرض الصورة التي قد تسري عن نفس النبي عليه السلام و لا تعدوها إلى ما يجري خلفها من آراء و أفكار أو عواطف و انفعالات تستفيد منها في هذا الميدان بالذات.
و الذي نستطيع أن نلحظه بعد عمليات التعرية هذه، و بعد استبعاد الأجزاء العامة التي تمثّل نفسية كل رسول لما فيها من وحدة أو تشابه تام هو ما يأتي:
أولا-نلحظ أن بعض عناصر الدعوة الإسلامية قد توزّعته القصص المختلفة فثبت بعضه عند رسل بأعيانهم، و مضى غيره إلى أكثر من رسول و إن تميز هذا الرسول دون ذلك. فنلحظ مثلا أن قصص شعيب تلتزم الحديث عن بخس الناس أشياءهم، و تطفيف الكيل في كل موطن وردت فيه من القرآن. و نلحظ أن قصة لوط قد التزمت الحديث عن إتيان الذكران من العالمين. و سبق أن سجّلنا بعضا من قصص لوط و شعيب فلا داعي لذكرها في هذا المكان. و نلحظ أن قصة صالح في النمل تصوّر فكرة اغتيال النبي محمد عليه السلام. قال اللّه تعالى وَ لَقَدْ أَرْسَلْنََا إِلىََ ثَمُودَ أَخََاهُمْ صََالِحاً أَنِ اُعْبُدُوا اَللََّهَ فَإِذََا هُمْ فَرِيقََانِ يَخْتَصِمُونَ*`قََالَ يََا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ اَلْحَسَنَةِ لَوْ لاََ تَسْتَغْفِرُونَ اَللََّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ*`قََالُوا اِطَّيَّرْنََا بِكَ وَ بِمَنْ مَعَكَ قََالَ طََائِرُكُمْ عِنْدَ اَللََّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ*`وَ كََانَ فِي