الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ١٧٦ - (١) القصة التاريخية
الشمس في الفلك و أيضا قال وَ وَجَدَ عِنْدَهََا قَوْماً و معلوم أن جلوس قوم في قرب الشمس غير موجود و أيضا الشمس أكبر من الأرض بمرات كثيرة فكيف يعقل دخولها في عين من عيون الأرض.
إذا ثبت هذا فنقول تأويل قوله تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ من وجوه.
الأول-أن ذا القرنين لما بلغ موضعها في المغرب و لم يبق بعده شيء من العمارات وجد الشمس كأنها تغرب في عين و هذه مظلمة و إن لم تكن كذلك في الحقيقة كما أن راكب البحر يرى الشمس كأنها تغيب في البحر إذا لم ير الشط و هي في الحقيقة تغيب وراء البحر.
هذا هو التأويل الذي ذكره أبو علي الجبائي في تفسيره.
الثاني-أن للجانب الغربي من الأرض مساكن يحيط البحر بها فالناظر إلى الشمس يتخيّل كأنها تغيب في تلك البحار و لا شك أن البحار الغربية قوية السخونة فهي حامية و هي أيضا حمئة لكثرة ما فيها من الحمأة السوداء و الماء فقوله تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ إشارة إلى أن الجانب الغربي من الأرض قد أحاط به البحر و هو موضع شديد السخونة.
الثالث-قال أهل الأخبار إن الشمس تغيب في عين كثيرة الماء و الحمأة و هذا في غاية البعد و ذلك لأنّا إذا أرصدنا كسوفا قمريا فإذا اعتبرناه و رأينا أن المغربيين قالوا حصل هذا الكسوف في أول الليل و رأينا المشرقيين قالوا حصل في أول النهار فعلمنا أول الليل عند أهل المغرب هو أول النهار الثاني عند أهل المشرق بل ذلك الوقت الذي هو أول الليل عندنا فهو وقت العصر في بلد و وقت الظهر في بلد آخر و وقت الضحوة في بلد ثالث و وقت طلوع الشمس في بلد رابع و نصف الليل في بلد خامس و إذا كانت هذه الأحوال معلومة بعد الاستقرار و الاعتبار ليس هناك تضارب فهي تغيب في الطين و الحمأة و تختفي عن الطين و الحمأة كما ثبت من العلوم الفلكية و الجغرافية و علمنا أن الشمس طالعة ظاهرة في كل هذه الأوقات كان الذي يقال أنها تغيب في الطين و الحمأة كلاما على خلاف اليقين و كلام اللّه تعالى مبرأ عن هذه التهمة فلم يبق إلا أن يصار إلى التأويل الذي ذكرناه [١] .
و واضح من هذا النص أن الرازي يرى أن التأويل في هذه المسألة من الأمور
[١] التفسير الكبير، جـ ٥، ص ٥٠٥ و ما بعدها.