الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٨٠ - الأدب و التاريخ
من قيم تاريخية. و لكن ذلك الفرض لن يشفي الغليل لأن الأمر قد يكون أمر أحداث أغرقت في القدم ثم نقلت إلينا في روايات شفهية زادت عليها أو نقصت منها حتى أحالتها إلى شيء يشبه القصص أو يشبه الأساطير و وقفت الأمور عند هذا الحد حتى لم يجد أي دليل غير تلك الروايات و من أمثال ذلك ما رواه الجاهليون عن ناقة صالح و جن سليمان و ساقه القوم فيما بعد على أنه الحقيقة و التاريخ. كما قد يكون الأمر أمر اعتماد القاص على الواقع النفسي لا الواقع التاريخي أي الاعتماد على المشهور المتداول لا على الصور الحقيقة لأحداث التاريخ.
هذه أمور يجب مراعاتها حين البحث عما في القصص من مسائل التاريخ و قضاياه و هي أمور تجيء دائما بعد البحث عن أغراض القصص لأن الأغراض و المقاصد تلعب الدور الأول في كيفية بناء القصة من حيث توزيع المناظر و إقامة الحوار و رسم الشخوص و الأحداث و ليس يخفى أن تلك من عوامل الاستهواء التي توحي بما يريد القاص من فكر أو آراء و معتقدات.
و الآن نستطيع أن ننتقل مرة ثانية إلى الجو القرآني لنرى رأينا في تلك المشكلة المتعلقة بالقصص القرآني و ما يقال من أن به أخطاء من أخطاء التاريخ.
و قبل البدء ننظر في اعتراض قد يستثار ذلك لأن ما قرّرناه من صلة بين التاريخ و القصة يعتمد على ظاهرات في القصص لوحظت حديثا و قرّرت على أنها بعض التقاليد الأدبية التي تصوّر ما للقاص من حرية. و القرآن أقدم من هذه الملاحظات للظواهر و هذه المقررات للتقاليد. على أنها لو كانت قديمة لا تلزم القرآن في شيء إذ لكل قاص مذهبه و طريقته و لكل خالق حريته في الخلق و الابتكار و لن يقرّر ما في القرآن من قيم إلا مذهب أدبي التزمه القرآن نفسه أو على أقل تقدير حرص عليه و هو قول له وجاهته فيما نعتقد ثم هو يلزمنا إلى أن نبحث طريقة القرآن من واقعه العملي فهل توجد فيه يا ترى تلك الحرية أو التزم طريقة واحدة هي طريقة الصدق و التحري عن الحقيقة حين يصوّر أحداث التاريخ؟
يدلّنا الاستقراء على أن ظواهر كثيرة من ظاهرات الحرية الفنية توجد في القرآن الكريم و نستطيع أن نعرض عليك منها في هذا الموقف ما يلي: