الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ١٨٠ - (١) القصة التاريخية
أساس من تاريخ التشريع و هو أن القربان إنما شرّع في بني إسرائيل. أما الاعتراض فيقوم على أساس آخر من تاريخ العادات أو العقل البشري و هو كيف يظل دفن الميت مجهولا حتى يصل الزمن من آدم إلى بني إسرائيل و حتى يقتدي أبناء إسرائيل في ذلك بالغراب.
لقد تعارضت النظريات و حاول المفسّر أن يرجّح واحدة. و لو فكّر تفكيرا بلاغيا أدبيا لوضع المسألة وضعا آخر و فكّر فيها على أساس من القريب أن يكون سليما و هو أن القرآن قد جمع بين مواد قصصية متباعدة في الزمن لأنه يقصد التصوير و التمثيل و أنه من أجل ذلك جمع بين تقديم القربان و بين ما ترتّب عليه من حسد و ما أدى إليه هذا الحسد من قبل ثم من بعث الغراب ليريه كيف يدفن أخاه.
إن المسألة ترجع فيما أعتقد إلى طريقة القرآن في اختيار مواده القصصية و في عملية الربط بينها تلك العملية التي تقوم على أساس أدبي عاطفي حتى و لو باعد الزمن فيما بينها.
(ب) إنطاق الأشخاص بما لم ينطقوا به مراعاة لأمور اعتبارية و ذلك هو الأمر الذي أجازه كثير من أئمة التفسير.
جاء في الكشاف عند تفسيره لقوله تعالى: وَ قَوْلِهِمْ إِنََّا قَتَلْنَا اَلْمَسِيحَ عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اَللََّهِ [١] فإن قلت كانوا كافرين بعيسى عليه السلام أعداء له عامدين لقتله يسمّونه الساحر ابن الساحرة و الفاعل ابن الفاعلة فكيف قالوا إِنََّا قَتَلْنَا اَلْمَسِيحَ عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اَللََّهِ . قلت قالوه على وجه الاستهزاء كقول فرعون إِنَّ رَسُولَكُمُ اَلَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ [٢] . و يجوز أن يضع اللّه الذكر الحسن مكان ذكرهم القبيح في الحكاية عنهم رفعا لعيسى عما كانوا يذكرونه به و تعظيما لما أرادوا بمثله كقوله لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ اَلْعَزِيزُ اَلْعَلِيمُ*`اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اَلْأَرْضَ مَهْداً [٣] .
فصاحب الكشاف يجيز هنا أن يضع اللّه الذكر الحسن على ألسنة القوم بدلا من
[١] سورة النساء، الآية ١٥٧.
[٢] سورة الشعراء، الآية ٢٧.
[٣] الكشاف، جـ ١، ص ٢٨١، سورة الزخرف، الآية ١٠.