الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٣٩٠ - ج-نفس المؤمن لا تطيق المخالف
موقف العداء فيعتب عليهم ذلك لأنهم لم يدركوا أن مقصده سام و هو إخراجهم من الظلمات إلى النور و أن هدفه الإصلاح ما استطاع... و يأتي خلف اللّه بالأمثلة على ذلك من سير الرسل كما نصّ عليها القرآن. هذا الموقف المتسامح الصادر من النبي حيال قومه بالضرورة يترك أثره على الجماعة نفسها فلا تعجّل بعقوبته و هي تعزو خروجه عما ألفته من عقيدة إلى أنه قد ألمّ به مس من الجنون أو أن آلهتهم التي جاء هو لإلغائها قد اعترته بسوء انتقاما و قد تعمد إلى سبيل آخر و هو الرجوع إلى رهطه و عشيرته تقديرا منها لهم. و ألمع المؤلّف إلى ما جاء بالقرآن عند ذكره لقصة شعيب وَ لَوْ لاََ رَهْطُكَ لَرَجَمْنََاكَ [١] . و نضيف مثلا آخر من سيرة محمد و هو ذهاب بعض صناديد قريش إلى عمه و كافله و راعيه أبي طالب و كبير قريش آنذاك أن يكفّه عن التعرّض إلى آلهتهم.
إذن الصلة بين البطل و البيئة قد تكون سببا في نجاح الدعوة و قد تكون عقبة في سبيلها و من هنا ينبع سر محاربة القرآن لها و إعلاء شأن العاطفة الدينية عليها و حث المسلمين على نبذ المودة القرابية إذا كانت على حساب الدين و ضرب لهم إبراهيم مثلا في الأسوة الحسنة إذ تبرأ من أبيه و أقربائه الأدنين عند ما خالفوه في العقيدة.
و يختم خلف اللّه هذه الفاصلة أو الفقرة (نفس المؤمن لا تطيق المخالف) ... بقوله إن البطل (المخالف) لما يناله من أذى هو الطرف الضعيف فاقد الحول و القوة الذي لا يملك إلا الالتجاء لربه بالدعاء بالتمكين له و لأتباعه و بهلكة مناوئيه و أنه يلجأ إلى طريق أو وسيلة أخرى هي تهديدهم بالمصائب تنهال عليهم في الدنيا و العذاب الأليم في الآخرة و يضرب أمثلة مما جاء في القرآن تأييدا لوجهة نظره مثل إرسال الطوفان و الجراد و القمل و الضفادع و الدم على آل فرعون... و ما أصاب أقوام نوح و هود و صالح و لوط و شعيب...
و لكن البطل لا يظل ضعيفا بل يتكاثر حوله الأعوان و الأنصار و يستشعر القوة فيبدأ في مواجهة المناوئين و إجبارهم قهرا على إتباع تعاليمه و هذا هو الذي نلحظه من موقف النبي العربي من المشركين. و في تلك اللحظة يتحقق النصر للدعوة.
[١] سورة هود، الآية ٩١.