الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ١٠٤ - (٢) الانقسام
و القرآن لا يقف من هذا الناموس الاجتماعي عند أثره في نفس الفرد أو في نفس الجماعة و إنما يعدوه إلى شرح علله و أسبابه و يرينا من كل هذه الأمور ما هو من عوامل التقدّم و التجديد و ما هو من عوامل الجمود و التقليد و هو يربط كل ذلك بظواهر اجتماعية هي من النواميس التي لا تتخلّف. و لعل أحسن ما وقفنا عليه منها هو ما يأتي:
(أ) الحالة المعيشية: و النظرة الأولى فيما صوّر القرآن من عوامل تدلّنا دلالة قوية على أن الأغنياء يقفون دائما في وجه الدعوات وَ مََا أَرْسَلْنََا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاََّ قََالَ مُتْرَفُوهََا إِنََّا بِمََا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كََافِرُونَ [١] . و أنهم يكونون كتلة المعارضة التي تحارب الأفكار الجديدة و التي تنفق الأموال الضخمة في سبيل القضاء عليها بصد الناس عنها و محاربة الداعين إليها و وضع العقبات في سبيلها إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوََالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ فَسَيُنْفِقُونَهََا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا إِلىََ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ [٢] .
و النظرة الأولى أيضا تبيّن لنا أن الفقراء على العكس من ذلك فهم الذين يستجيبون للأنبياء و هم الذين يؤمنون بالدعوات و هم الذين يقفون إلى جانب الرسل ينصرونهم و يشدّون أزرهم حين يكونون في حاجة إلى الأنصار و الأعوان ثم هم الذين يدافعون عنهم و يعصون أمر مخالفيهم حين يكون الجدل و الحوار. فالمستضعفون من قوم صالح هم الذين لبّوا دعوته و صدّقوا رسالته و آمنوا بما جاء به من دين جديد قََالَ اَلْمَلَأُ اَلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَ تَعْلَمُونَ أَنَّ صََالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قََالُوا إِنََّا بِمََا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ*`قََالَ اَلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا إِنََّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كََافِرُونَ*`فَعَقَرُوا اَلنََّاقَةَ وَ عَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَ قََالُوا يََا صََالِحُ اِئْتِنََا بِمََا تَعِدُنََا إِنْ كُنْتَ مِنَ اَلْمُرْسَلِينَ [٣] .
و تتعقّد الأمور دائما بين الفقراء و الأغنياء كلما دعا داع أو جاء رسول بدين جديد.
و من هنا نرى تلك الخصومة التي تقوم بين الأغنياء و الفقراء أو المستضعفين و المستكبرين.
كما نرى الأغنياء يعيرون الرسل بانضمام الفقراء إليهم و أنهم أول من استجاب للدين
[١] سورة سبأ، الآية ٣٤.
[٢] سورة الأنفال، الآية ٣٦.
[٣] سورة الأعراف، الآيات ٧٥-٧٧.