الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ١٠٥ - (٢) الانقسام
الجديد وَ مََا نَرََاكَ اِتَّبَعَكَ إِلاَّ اَلَّذِينَ هُمْ أَرََاذِلُنََا بََادِيَ اَلرَّأْيِ [١] . بل يذهبون إلى أبعد من هذا و يرون أن دخول أمثال هؤلاء الفقراء في الدين هو الذي يحول بينهم و بينه و هو الذي يمنعهم من الإيمان و التصديق قََالُوا أَ نُؤْمِنُ لَكَ وَ اِتَّبَعَكَ اَلْأَرْذَلُونَ [٢] . و من هنا نراهم يطلبون إلى الأنبياء طرد الفقراء من مجالسهم و تنحيتهم عن أن يكونوا عقبات في سبيل هؤلاء الأغنياء. و هنا يصوّر لنا القرآن رفض الأنبياء خوفا من عقاب اللّه أو حرصا على مصلحة الدعوة و نصرة الدين. وَ مََا أَنَا بِطََارِدِ اَلْمُؤْمِنِينَ*`إِنْ أَنَا إِلاََّ نَذِيرٌ مُبِينٌ [٣] ، وَ لاََ تَطْرُدِ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدََاةِ وَ اَلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مََا عَلَيْكَ مِنْ حِسََابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَ مََا مِنْ حِسََابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ اَلظََّالِمِينَ [٤] ، وَ يََا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اَللََّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَ فَلاََ تَذَكَّرُونَ [٥] .
و تعليل هذه الظاهرة الاجتماعية أو هذا الموقف من كل من الأغنياء و الفقراء ليس بالشاق و لا بالعسير. فالقرآن نفسه يشير إليه في أكثر من موطن و يرشد إليه كلما وجد إلى ذلك السبيل. و من هنا تعدّدت العلل و اختلفت باختلاف المواطن و لعل من أهمها ما يلي:
أن الغنى يجعل أمور الناس ميسرة و حاجاتهم مقضية و يجعل من السهل عليهم الاستمتاع بما في الحياة من لذائذ و طيبات و لذا يجنح الأغنياء إلى الراحة و يخلدون إلى السكينة و يطمئنون إلى ما هم عليه من حال فلا يحاولون تغيير أوضاعهم و من هنا لا تخفق قلوبهم بحب الإصلاح و لا تنجذب نفوسهم أو تطمئن قلوبهم إلى التجديد من الدعوات.
بَلْ مَتَّعْتُ هََؤُلاََءِ وَ آبََاءَهُمْ حَتََّى جََاءَهُمُ اَلْحَقُّ وَ رَسُولٌ مُبِينٌ*`وَ لَمََّا جََاءَهُمُ اَلْحَقُّ قََالُوا هََذََا سِحْرٌ وَ إِنََّا بِهِ كََافِرُونَ [٦] .
[١] سورة هود، الآية ٢٧.
[٢] سورة الشعراء، الآية ١١١.
[٣] نفس السورة، الآيتان ١١٤-١١٥.
[٤] سورة الأنعام، الآية ٥٢.
[٥] سورة هود، الآية ٣٠.
[٦] سورة الزخرف، الآيتان ٢٩-٣٠.