الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ١٠٦ - (٢) الانقسام
و كلما طال على الأغنياء الأمد و امتد بهم الزمن تولّدت في نفوسهم محبة الحياة و قويت في نفوسهم الأثرة و خيّل إليهم أن قد كتب لهم الخلود. قََالُوا سُبْحََانَكَ مََا كََانَ يَنْبَغِي لَنََا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيََاءَ وَ لََكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَ آبََاءَهُمْ حَتََّى نَسُوا اَلذِّكْرَ وَ كََانُوا قَوْماً بُوراً [١] . و من هنا نرى القرآن يعمد إلى تخويفهم و زعزعة هذه الأسس من قلوبهم و عقولهم فيلفت ذهنهم إلى أنه يأتي الأرض ينقصها من أطرافها بَلْ مَتَّعْنََا هََؤُلاََءِ وَ آبََاءَهُمْ حَتََّى طََالَ عَلَيْهِمُ اَلْعُمُرُ أَ فَلاََ يَرَوْنَ أَنََّا نَأْتِي اَلْأَرْضَ نَنْقُصُهََا مِنْ أَطْرََافِهََا أَ فَهُمُ اَلْغََالِبُونَ [٢] .
و إلى أن عذابهم في الآخرة سيكون قويا عنيفا حَتََّى إِذََا أَخَذْنََا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذََابِ إِذََا هُمْ يَجْأَرُونَ*`لاََ تَجْأَرُوا اَلْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنََّا لاََ تُنْصَرُونَ*`قَدْ كََانَتْ آيََاتِي تُتْلىََ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلىََ أَعْقََابِكُمْ تَنْكِصُونَ*`مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سََامِراً تَهْجُرُونَ [٣] .
أما الفقراء فيسيرون على العكس من هؤلاء في هذه المواطن فهم قد سلّط عليهم الزمن و ألهبتهم ضرورات الحياة ففكّروا في أمورهم و تمنّوا حالة أسعد من حالتهم و راموا سهل العيش و لين الحياة فما إن دعاهم الداعي حتى لعب خيال المستقبل بعقولهم و قلوبهم و قاربت الآمال أن تصبح حقائق و من هنا يستجيبون لعل السعادة أن تقبل بعد إدبار و لعلها أن تلازمهم بعد أن ملّوا الفراق و طول الانتظار.
و الغنى يدفع إلى الكبر و الاستكبار و العناد: وَيْلٌ لِكُلِّ أَفََّاكٍ أَثِيمٍ*`يَسْمَعُ آيََاتِ اَللََّهِ تُتْلىََ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهََا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذََابٍ أَلِيمٍ [٤] ، كَلاََّ إِنَّ اَلْإِنْسََانَ لَيَطْغىََ*`أَنْ رَآهُ اِسْتَغْنىََ [٥] ، كَلاََّ إِنَّهُ كََانَ لِآيََاتِنََا عَنِيداً [٦] .
و المتكبّرون عادة يضيقون بالدعاة و ينالونهم بالأذى حتى و لو رأوا أن ما جاءوا به هو الحق
[١] سورة الفرقان، الآية ١٨.
[٢] سورة الأنبياء، الآية ٤٤.
[٣] سورة المؤمنون، الآيات ٦٤-٦٧.
[٤] سورة الجاثية، الآيتان ٧-٨.
[٥] سورة العلق، الآيتان ٦-٧.
[٦] سورة المدثر، الآية ١٦.
غ