الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ١٦٤ - (١) القصة التاريخية
(أ) قال اللّه تعالى وَ إِذْ نَجَّيْنََاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ اَلْعَذََابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنََاءَكُمْ وَ يَسْتَحْيُونَ نِسََاءَكُمْ وَ فِي ذََلِكُمْ بَلاََءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ [١] .
و هو قول يخاطب به القرآن المعاصرين للنبي عليه السلام من أهل الكتاب و يذكر نعمه عليهم و فضله الذي أسبغه فيما مضى لكنا نلحظ أنه لم يأت بالصيغ التي تدل على هذه الحقيقة من حيث الزمان فهو يعرض عن الماضي الذي يصوّر ما حدث لأجدادهم في زمن موسى و قبله و يصوّر هذا الحدث بالصيغة التي تدل على الحضور و المشاهدة و كأن الأمر يقع بهم لا بأجدادهم و كأنه يقع بهم الآن.
إنما يفسّر هذا الصنيع ما نعرفه من العناية الأدبية التي يرمي إليها القرآن و التي هي سر إعجازه و التي تعنى بالتأثير على النفوس فيخرج الكلام و قد ساده ذلك المنطق الذي نسميه بمنطق العاطفة و الوجدان.
إن الأسرار التي من أجلها ذكر القرآن هذه النعم التي تفضل اللّه بها فيما مضى على اليهود و أهل الكتاب هي أن يرقق قلوبهم و يصرفهم إلى الإيمان بمحمد عليه السلام و أنه من أجل هذا أعرض عن الصيغة الدالة على الحدث و الزمان إلى صيغة أخرى تضع المسألة بين أيديهم و تعرضها على أبصارهم بما فيها من حيوية فنية هي تلك الحيوية التي يعبر عنها في الأدب بالتصوير بالحركات و الإشارات.
إن هذه الصورة أقدر على تحريك القلوب و أكثر استثارة للعاطفة و الوجدان، إنها الصورة التي تبعث في أنفسهم الخشية و الخضوع المحبب للواحد الديان.
(ب) قال تعالى وَ بَرَزُوا لِلََّهِ جَمِيعاً فَقََالَ اَلضُّعَفََاءُ لِلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا إِنََّا كُنََّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنََّا مِنْ عَذََابِ اَللََّهِ مِنْ شَيْءٍ قََالُوا لَوْ هَدََانَا اَللََّهُ لَهَدَيْنََاكُمْ سَوََاءٌ عَلَيْنََا أَ جَزِعْنََا أَمْ صَبَرْنََا مََا لَنََا مِنْ مَحِيصٍ*`وَ قََالَ اَلشَّيْطََانُ لَمََّا قُضِيَ اَلْأَمْرُ إِنَّ اَللََّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ اَلْحَقِّ وَ وَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَ مََا كََانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطََانٍ إِلاََّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاََ تَلُومُونِي وَ لُومُوا أَنْفُسَكُمْ مََا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَ مََا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمََا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ اَلظََّالِمِينَ لَهُمْ عَذََابٌ أَلِيمٌ [٢] .
[١] سورة البقرة، الآية ٤٩.
[٢] سورة إبراهيم، الآيتان ٢١-٢٢.