الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ١٦٦ - (١) القصة التاريخية
و أما المعاني الثانية و الدلالة البلاغية حين تراد فيكون ذلك منطق العاطفة الذي لا يحكم عليه أو معه بصدق أو كذب لأن المراد ليس إفادة الوقوع و التحقّق بل إفادة شيء آخر هو التحقّق و التأكّد.
و لعل الذي يؤكد كل هذا هو ذكره سبحانه و تعالى في الآية السابقة لهذه الآيات المتقدمة فقد قال أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اَللََّهَ خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ*`وَ مََا ذََلِكَ عَلَى اَللََّهِ بِعَزِيزٍ [١] .
إذ يوجّه الخطاب إلى قوم النبي عليه السلام و يصوّر موقفهم منه ذلك الموقف الذي يدل على أنهم قد بلغوا من العنت نهاية الشوط حتى ليذهبهم و يأتي بخلق جديد.
إن المنطق الذي يسود هذه الصورة هو المنطق الأدبي منطق العاطفة و الوجدان و لقد لحظ القدماء من علماء البلاغة العلاقة بين الصور و الصيغ و بين أثرهما النفسي و العاطفي.
جاء في ابن الأثير بصدد حديثه عن اللونين من التعبير، عن المستقبل بالماضي و عن الماضي بالمستقبل ما يلي: و الفرق بينه و بين الاختبار بالفعل المستقبل عن الماضي أن الغرض بذلك تبيّن هيئة الفعل و استحضار صورته ليكون السامع كأنه يشاهدها و الغرض بهذا هو الدلالة على إيجاد الفعل الذي لم يوجد بعد فمن أمثلة الإخبار بالفعل الماضي عن المستقبل قوله تعالى...
و كذلك جاء قوله تعالى وَ يَوْمَ نُسَيِّرُ اَلْجِبََالَ وَ تَرَى اَلْأَرْضَ بََارِزَةً وَ حَشَرْنََاهُمْ فَلَمْ نُغََادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً [٢] و إنما قيل و حشرناهم ماضيا بعد نسير و ترى و هما مستقبلان للدلالة على أن حشرهم قبل التسيير و البروز ليشاهدوا تلك الأحوال كأنه قال و حشرناهم قبل ذلك لأن الحشر هو المهم لأن من الناس من ينكره كالفلاسفة و غيرهم من أجل ذلك ذكر بلفظ الماضي [٣] .
[١] سورة إبراهيم، الآيتان ١٩-٢٠.
[٢] سورة الكهف، الآية ٤٧.
[٣] المثل السائر، ص ١٧٣.