الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٢٠٣ - (٣) القصة الأسطورية
٣٠-٣٦ من سورة الأنفال مكية. و أقرب ما يفهم من ذلك أن الحديث عن الأساطير إنما كان من أهل مكة و جمهرتهم المطلقة من المشركين و أنه قول لم يقل في المدينة بعد انتقال النبي عليه السلام إليها. و هذه ظاهرة تحتاج إلى تفسير و تعليل.
و ثاني ما يفهم من النظر في هذه الآيات أن القائلين لهذا القول هم في الغالب الذين ينكرون البعث و لا يؤمنون بالحياة الآخرة. و ذلك واضح كل الوضوح من آيات سور:
المؤمنون، النمل، الأحقاف، المطففين. ذلك لأن الحديث معهم في هذه المسألة بالذات، و هو متصل بسبب قوي بالحديث عن الحياة الآخرة في آيات سور الأنعام و النحل.
و تلك ظاهرة تستحق التفسير أيضا و التعليل.
و ثالث ما يفهم من النظر في هذه الآيات أن المشركين كانوا يعتقدون بما يقولون اعتقادا صادقا و أن الشبهة عندهم كانت قوية جارفة و ذلك هو الواضح تماما من هذه الآيات التي يحسن بنا أن نستعرضها سويا.
في سورة الأنعام يذهب المشركون إلى النبي صلّى اللّه عليه و سلّم فيستمعون القرآن لكنهم بعد الاستماع يجادلونه و يقولون له إِنْ هََذََا إِلاََّ أَسََاطِيرُ اَلْأَوَّلِينَ [١] . و نعتقد أنهم لم يقولوا هذا القول في مواجهة النبي و أمام سمعه و بصره إلا و هم يعتقدون أن ما يقولونه و ما يرونه الصواب. و معنى ذلك أن الشبهة عندهم في احتواء القرآن على الأساطير شبهة قوية جارفة.
و في سورة الأنفال يذهبون و يستمعون و بعد هذا و ذاك يقولون قَدْ سَمِعْنََا لَوْ نَشََاءُ لَقُلْنََا مِثْلَ هََذََا إِنْ هََذََا إِلاََّ أَسََاطِيرُ اَلْأَوَّلِينَ [٢] . و لا يكتفون في هذا الموطن بهذا القول و إنما يذهبون إلى أبعد من هذا في التحدي و يقولون اَللََّهُمَّ إِنْ كََانَ هََذََا هُوَ اَلْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنََا حِجََارَةً مِنَ اَلسَّمََاءِ أَوِ اِئْتِنََا بِعَذََابٍ أَلِيمٍ [٣] .
[١] سورة الأنعام، الآية ٢٥.
[٢] سورة الأنفال، الآية ٣١.
[٣] نفس السورة، الآية ٣٢.