الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٢٠٥ - (٣) القصة الأسطورية
و رابع ما يفهم من النظر في هذه الآيات التي هي كل ما تحدّث به القرآن عن الأساطير أن القرآن نفسه لم يحرص على أن ينفي عن نفسه وجود الأساطير فيه و إنما حرص على أن ينكر أن تكون هذه الأساطير هي الدليل على أنه من عند محمد عليه السلام و ليس من عند اللّه.
و استعرض معي الآيات مرة أخرى لتتبيّن موقف القرآن نحو هذا الحرص على نفي وجود الأساطير فيه و سترى:
(١) أن القرآن اكتفى بوصف هذا الصنيع من المشركين في آيات سور الأنفال، المؤمنون، النمل، الأحقاف، دون تعقيب عليه.
(٢) و أن القرآن اكتفى بتهديد القوم في آيات سور الأنعام و المطففين. و هو تهديد يقوم على إنكارهم ليوم البعث أو على صدّهم الناس عن إتباع النبي و ليس منه التهديد على قولهم بأن الأساطير قد وردت في القرآن الكريم.
(٣) و مرة واحدة يعرض القرآن للرد عليهم في قيلهم بأنه أساطير و هي المرة التي ترد في سورة الفرقان، و هذه هي الآيات وَ قََالُوا أَسََاطِيرُ اَلْأَوَّلِينَ اِكْتَتَبَهََا فَهِيَ تُمْلىََ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَ أَصِيلاً*`قُلْ أَنْزَلَهُ اَلَّذِي يَعْلَمُ اَلسِّرَّ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ إِنَّهُ كََانَ غَفُوراً رَحِيماً [١] .
فهل هذا الرد ينفي ورود الأساطير في القرآن؟أو هو إنما ينفي أن تكون هذه الأساطير من عند محمد يكتتبها و تملى عليه و يثبت أنها من عند اللّه. قُلْ أَنْزَلَهُ اَلَّذِي يَعْلَمُ اَلسِّرَّ... إلخ.
لعل الثاني أوضح، و لعل هذا الوضوح هو الذي جعل الرازي في مناقشته لرد القرآن عليهم يقول البحث الأول في بيان أن هذا كيف يصلح أن يكون جوابا عن تلك الشبهة و تقريره ما قدّمناه من أنه عليه السلام تحدّاهم بالمعارضة و ظهر عجزهم عنها و لو كان عليه السلام أتى بالقرآن بأن استعان بأحد لكان من الواجب عليهم أيضا أن يستعينوا بأحد فيأتوا بمثل هذا
[١] سورة الفرقان، الآيتان ٥-٦.
غ